للسياسات الخارجية الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص سجل طويل وحافل بالممارسات العدائية والمواقف الانحيازية ضد العرب. في الأساس هنالك اختلافات ثقافية وعقائدية بين العالمين العربي والغربي حيث يتبع العالم العربي لما يعرف بالثقافة الشرقية التقليدية في مواجهة الثقافة الغربية الليبرالية.
تدين الغالبية العظمى من الشعوب العربية بالدين الإسلامي الذي يتعرض للكثير من حملات التشويه منذ بزوغ فجر الإسلام قبل ما يقارب الأربعة عشر قرناً.
بسهولة تصل الخلافات العربية-الغربية الذروة إلى حد إعلان الحروب ومنها طويلة الأجل كما جرى عندما قاد الفرنجة الأوروبيون الحروب الصليبية على أهل الشرق، مسلمين ومسيحيين شرقيين. ظلت نزعة العداء والتربص متحكمة في العلاقات بين العرب والغرب طوال القرون الماضية تتخللها أحياناً فترات قصيرة من الاسترخاء النسبي.
في القرن التاسع عشر بدأت ظاهرة الاستعمار الأوروبي تجتاح العالم العربي من المحيط إلى الخليج حيث وقعت كافة الشعوب العربية تحت الاستعمار الأوروبي الجديد على أنقاض الدولة العثمانية التي كانت في أواخر سنيها يتحكم فيها الضعف وشيخوخة الأحكام! والفساد والتخلف الإداري. ذاقت الشعوب العربية الويلات والدمار وذهب ضحية الاستعمار الأوروبي الكثير من خيراته والملايين من المدنيين العرب في آسيا وأفريقيا.
وما أن بدأ ظلام حقبة الاستعمار الغربي بالانقشاع والتبدد حتى بادروا بإقامة دولة إسرائيل في فلسطين لجر العرب إلى معارك جانبية دائمة مع الغرب وفي قلب العالم العربي لاستنزاف طاقات العرب الفكرية الإبداعية الخلاقة وليستمر نزيفهم الاقتصادي والمادي والمعنوي نظراً لحرمان المنطقة من نعمة الاستقرار.
ساعدت الحكومات الغربية وفي مقدمتها الإدارات الأميركية المتعاقبة على تمكين سيف إسرائيل من رقاب العرب. يسير ذلك جنباً إلى جنب مع إنشاء ودعم الكثير من الأنظمة العربية الاستبدادية ضد شعوبها.
حفِل القرن العشرون بأكمله ويحفل ما مضى من القرن الواحد والعشرين حتى الآن بالذكريات المرعبة التي لا تنسى حتى بمنتهى الصعوبة. لا نغفل هنا بعض المساعدات التي في معظمها مشروطة وتشمل المجالات الثقافية والتعليمية والاقتصادية، وطبعاً العسكرية التي تضع شروطاً قاسية على استخدام ذلك التسليح المتواضع!.
يعرف عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط انحيازها الكامل والمطلق لدولة إسرائيل، المعتدية الدائمة على العرب عامة والفلسطينيين خاصة ولعقود.
على الدوام شلت الإدارة الأميركية عمل قرارات الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية وحولت مجلس الأمن الدولي إلى جسم مشلول إزاء ما تمارسه إسرائيل من جرائم بشعة اتجاه حقوق الإنسان الفلسطيني، الوطنية والإنسانية الأساسية. استخدمت الإدارة الأميركية حقها في البطش والجبروت السياسي (الفيتو) عشرات المرات.
في معظم الحالات تقف الإدارات الأميركية وحيدة بين ممثلي الأمم الأخرى، مع بعض الجزر الدقيقة في المحيط الهادي والتي تصعب رؤيتها بالعين المجردة على خريطة العالم، مع دولة الكيان الإسرائيلي. تراوح استخدام الفيتو من قضايا تخص الأرض والاستيطان والجدار العنصري الأمني الفتاك إلى قضايا تمس حقوق الإنسان الأساسية من مثل حق الإنسان الفلسطيني في الحياة والدفاع عن نفسه.
حتى التوبيخ واللوم يُمنعا على دولة إسرائيل في قتل وتشريد وتجويع وتشديد الحصار المالي على الفلسطينيين، مما يعطي ضوءاً أخضر للكيان العبري للمضي قدماً في تحويل الشعب الفلسطيني إلى تجمعات «كانتونية» قابلة من الضعف السياسي والاقتصادي والاجتماعي بمكان وفي طريقها إلى الاندثار.
على الجانب الإسرائيلي تقوم الإدارة الأميركية بتسليح جيش الكيان الإسرائيلي بكافة المعدات من ربّاط حذاء الجندي وحتى السلاح الاستراتيجي شامل التدمير.
في مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين تسلك الإدارة الأميركية نهجاً يتماشى مع تفاسير حاخامات إسرائيل المتطرفين للعهد القديم (التوراة) وعهد النبي سليمان! عليه السلام لانتزاع تنازلات مذلة من الطرف الفلسطيني الذي تكوي وجهه وأضلعه نار الحصار الخانق.
تأمل إسرائيل والإدارة الأميركية أن يؤدي الحصار إلى أن يوقع الفلسطينيون بأقلامهم على وثائق تنهي الوجود الفلسطيني الفاعل في فلسطين نهائياً مقابل وعود «عرقوبية» مكشوفة للفلسطينيين.
لا تقل السياسة الخارجية الأميركية فظاعة اتجاه الدول العربية الأخرى، الصديقة والمناوئة منها. حاصرت «الأرمادا» البحرية الأميركية العراق لمدة تزيد على الدزينة من السنين. قتل الحصار أكثر من مليون ونصف المليون عراقي غالبيتهم من الأطفال والشيوخ والنساء والأجنة في الأرحام.
أقدمت الولايات المتحدة على احتلال العراق عسكرياً وتسببت في قتل وجرح عشرات آلاف العراقيين الأبرياء ودمرت اقتصاد البلد. زعمت في ذلك أنها كانت تبحث عن أسلحة الدمار الشامل. يعاني من الاحتلال الأميركي للعراق ما يقارب الثلاثين مليوناً وبدرجة صارمة في أحسن الأحوال.
في السودان تنتهج الإدارة الأميركية أسلوباً في التعامل يضع نصب عينيها تجزئة السودان إلى دويلات متناحرة على الثروة والسلطة والحدود ومصادر المياه.
تلعب الإدارة الأميركية في ذلك على الأوتار الدينية والعرقية واللونية. يحتوي السودان على خيرات سطحية هائلة تمثل سلة غذاء كبيرة قادرة على تغذية مئات الملايين ومصادر جوفية للطاقة والمعادن، مما يجعل الشركات تركض لاهثة ولعابها يسيل للحصول على النصيب الأكبر في تلك الخيرات الاستراتيجية الضخمة.
ومن وراء الشركات تتشكل السياسة الخارجية الأميركية لتلبية أهداف الشركات والمصالح القومية ولتحقيق سيطرة على الطرف الضعيف، في هذا الحالة الطرف العربي.
هذا ما يفسر التقدم الأميركي المتواتر والمتلهف لحل مشكلة الأوضاع المتدهورة في ولاية دارفور السودانية المسلم أهلها بالكامل، بالتوازي مع جهود حل مشكلة الجنوب الوثني في معظمه عن طريق العمل على منحه الاستقلال عن الدولة.
على أن هنالك هدفاً آخر لا يقل شأناً ألا وهو بسط الذراع الإسرائيلي نحو العمق الاقتصادي والحيوي الاستراتيجي لدولتي مصر والسودان والتحكم في مصدر مياه حوالي مئة مليون إنسان يقطنون حول ضفاف وادي النيل.
السياسة الأميركية تتبع نفس أسلوب التدخل السافر في شؤون الصومال وسوريا وليبيا واليمن والجزائر وغيرها وكل حسب ظروفه ومعطياته الداخلية. بذلك تركز الإدارة الأميركية الكثير من جهودها نحو احتواء العالم العربي وتتصرف معه كما لو كان فراغاً تود أن تملأه بما عندها من مواد ثقافية ومادية لا تلبي متطلباته نحو العيش الكريم والحرية والاستقلال.
حالياً تقوم إدارة بوش بحملة علاقات عامة تهدف من ورائها إلى تلميع وجه وصورة السياسة الأميركية الخارجية. في هذا الاتجاه أصدرت الإدارة الأميركية كتيّباً صغيراً يحتوي على إرشادات للأميركي العادي ترشده فيه إلى كيفية التصرف مع من يصادفه في طريقه من عرب. حسب الكتيّب يُنصح الأميركي بالإكثار من الابتسامات والإصغاء والإيجابية وتقديم النصح والصبر والتعاون...
وبعدها يأتي دور الوداع الحار مع التمني باللقاء مرة أخرى حيث طاب اللقاء الأول. لكن أمام تلك الجبال المتراكمة من الويلات والمآسي والإجراءات الصارمة في المطارات وعلى الحدود البرية والبحرية والأرواح المزهقة وأنهار الدم الجارية، هل يصلح عطّار العلاقات العامة ما أفسده دهر الساسة الأشرار.
الذاكرة العربية ليست مثقوبة لكن إدارة بوش ماضية كالعادة في الاستخفاف بالذات والذهنية العربية. لكن، من يعلم؟، من الممكن أن تجري الأمور كما في خيال الإدارة الأميركية لدى شعوب تئن تحت حكم أنظمة حاكمة لا ترحم شعوبها وتحت الحصار الأميركي المدعوم براً وبحراً وجواً، عل ذلك يقيهم شر الأمعاء الخالية والخاوية.
جامعة الإمارات