عندما اكتشفت بعض دول شرق آسيا أنها عرضة لاجتياح مدمر من قبل عصابات المخدرات الدولية والمحلية، وان شبابها سيكون الضحية الأولى ومن بعده المجتمع بكل فئاته، لم تتردد تلك الدول في وضع تشريعات متشددة وغير مسبوقة لمواجهة الخطر.
وثارت ثائرة الدول الغربية، ونظمت حملة إعلامية تشهيرية استهدفت أنظمة تلك الدول المدافعة عن وجودها بحماية شبابها، وزادت الحملة استعاراً عندما قبض على شبان غربيين يهربون المخدرات، وتدافع المحامون للدفاع عنهم، وأظهروهم بمظهر المغرر بهم، وضغطت حكوماتهم بكل ما أوتيت من قوة، وثبتت دول شرق آسيا عند موقفها وحكمت عليهم بالإعدام.
وقد أصدرت نشرات تتضمن التحذير من إدخال أية كمية من المخدرات إلى أراضيها، حتى ولو كانت للاستخدام الشخصي، وأرفقت تلك النشرات بالتأشيرات التي تمنح للزوار والسياح عبر قنصلياتها بالخارج، وكأنها تقول لهم «هذه بلادنا، وهذه قوانيننا، ومن يريد أن يطأ أرضنا عليه أن يلتزم بنظامنا وشرائعنا».
ومع الأيام خفت الحملة الغربية، وتوقفت المنظمات الحقوقية عن التدخل في شؤون تلك الدول الداخلية، وسلكت دول أخرى نفس المسلك ونقلت نفس القانون حتى بات سمة تميز أغلب دول شرق وجنوب شرق آسيا.
وكان الإقرار الغربي والدولي بأحقية الدول في إصدار القوانين التي تحمي مجتمعها ومكوناته قد جاء نتيجة إصرار تلك الدول على سيادتها الوطنية والحرية المطلقة التي تتمتع بها لمواجهة المخاطر التي قد تهدد استقرارها وسلامة مواطنيها، وتحصين حدودها والحفاظ على مكتسباتها، والشباب هم أهم المكتسبات عند كل الأمم.
وفي سنغافورة تفرد تشريعي لا يجاريها فيه أحد، ولا يستطيع أحد ان يناقشها في ذلك، بل ان العالم يشيد بذلك التفرد رغم انه استهزأ بها في البداية، خاصة مسألة «العلكة» التي صدر تشريع طويل وعريض بمنع مضغها في الشوارع والأماكن العامة حتى لا تتلوث أرصفة المشاة، فكانت الدقة في التنفيذ، والالتزام التام بعد العقوبات، فإذا بالعالم كله يتغنى بنظافة سنغافورة وجمالها، ثم جاءت تشريعات الآداب العامة في الطرقات.
حيث لم يجرؤ أي غربي مستهتر على المخالفة خوفا من السجن والجلد في بعض الحالات، فاجتمعت تفاصيل تلك البلاد التي لا تزيد عن كونها مدينة كبيرة تملأ الآذان والأبصار بما يسمع العالم عنها ويرى، حتى أصبح أكبر «عرابيد» الدنيا نساكا عندما يصلون إليها، تتغير طباعهم، وتتحسن أخلاقهم، ويلتزمون هم بقواعد غيرهم، خلافا لما تعودوا عليه عندما ألزموا الجميع بانحرافهم.