عندما تحدثنا عن قضية ريم، الطالبة المتفوقة التي كادت أن تتعثر طموحاتها في دراسة الطب بسبب أوضاع مالية، اكتشفنا أن قضيتها هي نموذج لحالات أخرى ربما نشهد المزيد منها بعد الإعلان عن نتائج الثانوية العامة.

فهناك طلاب مواطنون أتموا الدراسة الثانوية بمعدلات عالية لكن بسبب غياب بعض التخصصات في المؤسسات التعليمية الحكومية ورفضهم السفر للخارج، أو بسبب رفض بعض الجامعات قبولهم، وبسبب عدم حصولهم على منح دراسية من المؤسسات والبرامج التعليمية، اضطروا للالتحاق بجامعات خاصة على نفقات أسرهم ذات الدخل المحدود، والنتيجة أنهم يدفعون ضريبة التفوق بمعاناة يتسببون فيها لأسرهم.

هل شأن الطالب المتفوق الإماراتي يعنينا حقا؟ وإذا كان يعنينا فلماذا نجد اليوم طلابا متفوقين يتحملون عبء مصاريف دراستهم عوضاً عن مؤسسات دولتهم؟ أين دعم المؤسسات التعليمية وغير التعليمية لهم؟

أين الجهات المسؤولة التي يفترض أن تتابعهم بمجرد تخرجهم من الثانوية العامة والجامعة؟ هل المتفوق أصبح اليوم بحاجة لأن نستجدي له من أجل علم ينفع به وطنه؟

ربما يعتقد بعض القراء أننا نهضم حق المؤسسات التعليمية الحكومية التي تستقبل أعدادا كبيرة من الطلبة المتفوقين سنويا وتلحقهم بمؤسسات تعليمية داخل أو خارج الدولة، أو قد يتصور البعض أننا ننتقص جهود المؤسسات التعليمية الخاصة والبرامج المحلية التي تقدم منحاً للطلبة المتفوقين، لكننا في الحقيقة نقدر تلك الجهود .

ولا نقلل من أهميتها لكننا نشعر بوجود ثغرة واضحة في هذا الشأن، وهي أن الجهود التي يبذلها الجميع ربما لا تنسيق فيما بينها، وربما تسبب غياب مؤسسة أو مكتب أو هيئة على مستوى الدولة للاعتناء بالمتفوقين أدى إلى تشتت الجهود وحرمان بعض الطلبة المتفوقين من فرص الرعاية والاهتمام في التعليم الجامعي أو حتى بعد التخرج.

فلو وجدت مؤسسة على مستوى الدولة تحتضن المتفوقين وتوجههم وتستثمر قدراتهم وتعدهم كقيادات للمستقبل لما وجدنا طلابا متفوقين مثل ريم وغيرها، لا يعرفون كيف يحافظون على شمعة تفوقهم متقدة وهي تقاوم رياح الإحباط والظروف الحياتية التي ربما يعجزون عن الصمود أمامها طويلا.

منذ أسابيع، قام الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بزيارة بعض مدارس أبوظبي، وشدّد سموه على ضرورة العناية بالطلاب المتفوقين والمتميزين علمياً.

وقد أصاب في ذلك كثيرا، فالمتفوق اليوم يحظى في جميع الدول المتقدمة بمكانة عالية واهتمام خاص منذ لحظة اكتشاف تفوقه، لأنهم أشبه ما يكونون اليوم بعملات نادرة، وسلع تتنافس الدول على استيرادها واستقطابها، وأصبحوا مصدر دخل وفخر لدولهم. فالثروة ليست بدولارات وحسب وإنما بثروات بشرية.

المتفوقون لابد أن يحظوا بدعم وتقدير أكبر، ولابد أن تتوجه أنظار الجميع إليهم بمجرد الإعلان عن نتائجهم لتضمن الدولة التخصصات التي يدرسونها، وبالتالي تضمن مستوى تعليميا يكملون فيه مسيرة تفوقهم حتى يتخرجوا ويعودوا للعمل في مواقع حية في الوطن.

وهذا الأمر لا يكون إلا من خلال إيجاد جهة حكومية تتولى متابعة شؤونهم والتنسيق بين كافة المؤسسات والبرامج التي تخصص منحاً ومقاعد دراسية، حينها فقط ربما نضمن عدم تسببنا في خسارة متفوقين يعنون للوطن ولغير الوطن الكثير.

maysaghodeer@yahoo.com