في بريطانيا كانت القوانين تمنح الجنسية لمن يقيم بضع سنوات، أما من يولد على أرضها حتى ولو كان لأبوين أجنبيين فهو بريطاني بحكم القانون وقوته.

وقد طبق ذلك بعدالة ويسر ودون أية معوقات حتى عهد السيدة الحديدية مارجريت تاتشر طوال عقد الثمانينات، حيث صدرت بعض التشريعات والأنظمة والقوانين التي تنظم عملية الحصول على الجنسية للأجانب، والفئات التي تستحقها، وعدد السنين الواجب توافرها لمن يقيم إقامة دائمة على أراضيها.

ومنحت الجهات ذات الاختصاص، وخاصة وزارة الداخلية، الحق في رفض أية طلبات تتعارض مع أمن البلاد، وان تطابقت الشروط الأخرى مع ما ورد في القانون، وشددت الإجراءات بالنسبة للمواليد، حيث اسقط حق التمتع بالجنسية بناء على الولادة، وبات الأجنبي أجنبيا حتى ولو ولد في لندن.

يومها ثارت ثائرة البعض، وقدمت الشكاوى للمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومنع التمييز، ولكن القانون سرى على الجميع، فقد أصبح نافذا بعد ان استمد قوته من النظام العام للدولة الكبرى، وصادقت عليه الملكة بعد ان اخذ دورته التشريعية بحسب التدرج الدستوري، وقبل العالم كله بأحقية بريطانيا في تنظيم شؤونها.

وأذكر ان أحد المحللين قال يومها (نحن أبحنا بناء على القانون، ونحن منعنا بناء على القانون، بينما قال شخص آخر (إن قوانين تاتشر قد تكون مجحفة بحق بعض الأشخاص اليوم، ولكنها ستكون لمصلحة غالبية السكان غدا، المهم أنها سادت في الظلم كما سادت في العدالة).

ما أردت ان أقوله لكم في الاستشهاد بما حدث في بريطانيا قبل ربع قرن، هو ان الحصانة في هذا العصر لا تكون للدول المنفردة إلا عبر مظلة تشريعية تنظم كل أمور الحياة فيها.

وتحقق لها الحماية من تغيرات المواقف والسياسات والاتجاهات، والعالم بكبيره وصغيره، وبقويه وضعيفه، يحترم ويقدر من كانت حقوق وواجبات الفئات التي تعيش على أرضه واضحة ومتساوية، وإن كانت هناك منظمة دولية للعمل أو لحقوق الإنسان أو لمنع التمييز أو لمراقبة تطبيق المواثيق والعهود، فهذه جميعها لا تملك حق التعدي على تشريعات الدول.

فهذه التشريعات تدخل ضمن أسس وركائز السيادة الوطنية، ولكل دولة الحق في وضع التشريعات التي ترى أنها تحقق أهدافها التي قامت على أساسها، وهي في الأصل نتائج تجارب محلية لها خصوصية مرتبطة بالمجتمع ومكوناته وأركانه واهتماماته ونظرته للمستقبل.

وعندما لا تكون هناك تشريعات منظمة لحالة من الحالات، لا تكون هناك مظلة واقية، ولا يكون هناك حديث عن سيادة غير مصانة بنظام حماية، ويكون التدخل، ونكون في سباق مع الترقيع ومحاولات التصحيح الوقتية.

myousef_1@yahoo.com