لم تعد إضرابات العمال وأعمال الشغب التي يقومون بها أحداثا عارضة يمكن تجاوزها بسهولة بعد أن تزايدت في الآونة الأخيرة وغدت أعمالا منظمة وظاهرة مقلقة تدق نواقيس الخطر وتتطلب النظر بجدية إلى وضع العمالة الوافدة في الدولة والأيادي التي تحرضها وتخطط لها، الأمر الذي يدعو إلى البحث عن الدوافع غير المنظورة التي تحركها.

والتساؤل عما إذا كانت هناك جهات خفية تسهم في تحريكها وتوجيهها، فبعد أن كانت هذه الإضرابات مقصورة على أولئك الذين تتأخر بعض الشركات عن دفع رواتبهم فيضربون بشكل نضفي عليه نحن بحسن نية طابع العفوية، تحولت هذه الإضرابات إلى أعمال شغب وتخريب.

وأخذت تأخذ مناحي أخرى الهدف منها الضغط على الشركات لتحقيق مطالب يُعدّ بعضها تافها يمكن تحقيقه بوسائل أخرى غير الإضراب والتخريب، كالمطالبة مثلا بتغيير الطباخ ونوعية الطعام الذي يقدم لهم، بينما يُعدّ بعضها الآخر غير منطقي ولا مُبرَّر كما حدث قبل أسبوع في بعض مواقع العمال بدبي وأبوظبي.

لكن الخطير في الأمر أنه بدأت تتكون بين هؤلاء العمال مجموعات منظمة تتخذ من شكل وأسلوب العصابات منهجا، فتقوم بتهديد العمال وتحاول منعهم من الذهاب إلى مواقع العمل بالقوة، وتعمد إلى مهاجمة معسكرات الذين يرفضون الانصياع لها، وتحطيم المرافق الموجودة بها، وإحداث إصابات بالعمال الذين يرفضون مجاراتها في أعمال الشغب التي تمارسها.

وتكوين اتحادات غير قانونية تتحدث باسمها وتفرض مطالبها على الشركات، رغم التزام هذه الشركات بحقوق عمالها من حيث دفع الرواتب في مواعيدها، وتوفير السكن المناسب لإقامتهم مع كل الإمكانات اللازمة للمعيشة.

وتحقيق بعض المطالب التعجيزية غير القانونية لهم رغم أن هذه الشركات غير ملزمة بتحقيق هذه المطالب لأنها خارجة عن شروط التعاقد. كل هذا يبقى في حدود المعقول الذي يمكن التعامل معه بقليل من الصبر وكثير من الحكمة، ولكن أن تصل الأمور إلى قيام العمال بتخريب موقع سكنهم المجهز «5 نجوم» كما وصفته السلطات المختصة التي تولت التحقيق.

وتحويل هذا السكن إلى مستنقع، وتكسير الحمامات والأنابيب ومنع سيارات الصرف الصحي من دخوله لسحب مياه المجاري التي عرّضت السكن لأضرار مادية كبيرة، مكبدين الشركة التي يعملون بها خسائر تقدر بأكثر من 20 مليون درهم، وإغلاق الشوارع الداخلية لمنع وصول رجال الأمن إلى المعسكر.

وامتناع بعضهم عن الذهاب إلى مواقع العمل وخلودهم إلى النوم وكأنهم لم يفعلوا شيئا! أن تصل الأمور إلى هذا الحد لا لسبب سوى أن التيار الكهربائي قد انقطع عن المنطقة التي يقع سكنهم فيها لمدة ساعة فهذا أمر يخرج عن نطاق المعقول ليدخل في إطار استعراض القوة، والتخريب المتعمد، والنية المبيتة لتشكيل مراكز قوى وضغط وتحريض تضر بمصلحة البلد كله قبل مصالح الشركات.

وتعرض أمنه لخطر لا يمكن تفاديه أكثر مما تعرض هذه الشركات لخسائر مادية يمكن تعويضها. نحن ربما نتفهم امتناع العمال الذين تتأخر شركاتهم في دفع رواتبهم عن العمل، رغم أن هناك وسائل أخرى - ليس من بينها الإضراب - تضمن لهؤلاء العمال الحصول على رواتبهم وحقوقهم كاملة.

ومع ذلك فإن السلطات تتعامل مع هذه التصرفات بحكمة وإنسانية، انطلاقا من المبادئ السامية لديننا الحنيف الذي يدعو إلى إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، واستنادا إلى أخلاق أهل هذا البلد الطيبين الذين لم يُعرَف عنهم ظلم ولا جور ولا تعسف ولا سلب لحقوق البشر.

هذا ما يمكن أن نتفهمه، لكن الذي لا يمكن أن نتفهمه ولا نريد له أن يحدث هو أن يغري هذا التعامل الإنساني مجموعات خبيثة من هؤلاء العمال تضمر لهذا البلد الذي وفر لهم فرصة العمل شرا، فيستقر في عقولهم .

ووجدانهم أن موقف السلطات هذا إنما ينمّ عن ضعف وعجز وعدم مقدرة على التعامل معهم بالحزم الذي يتطلبه الموقف، فيغريهم ذلك بالذهاب إلى ما هو أبعد من هذا لفرض مطالبهم وإملاء شروطهم، وهو ما ظهرت بوادره خلال الأحداث الأخيرة التي لم تخل من تحدٍ واضح للدولة وقوانينها.

ومن استعراض للقوة، إما من منطلق الإحساس بحاجتنا لهم، أو من باب جس النبض لمعرفة رد فعلنا ومدى جدية السلطات لدينا في التعامل مع هذه التصرفات للانتقال من موقف المطالبة بالحق المشروع إلى موقف المطالبة بحقوق غير مشروعة لم تنص عليها عقود العمل الموقعة معهم.

لذلك كان موقف لجنة شؤون العمال بدبي الرافض لأي أعمال شغب يقوم بها بعض العمال للفت الأنظار إلى مطالبهم والضغط على الشركات لتحقيق تلك المطالب موقفا مطلوبا وفي وقته، لأن التساهل في أمر كهذا يعد انتقاصا من سلطة الدولة وحقها في فرض قوانينها وهيبتها على الجميع، مواطنين ووافدين، ولأن السماح بمثل هذه الأعمال سيغري بالتمادي فيها إلى الحد الذي لا يمكن معه ضبطها والسيطرة عليها.

ولأن عدم التصدي بحزم لهذه الظاهرة سيشيع الاضطراب والفوضى في سوق العمل، لاسيما قطاع المقاولات الذي يُعدّ من أهم القطاعات المؤثرة في اقتصاد البلد، كون العقار واحدا من أهم القاطرات التي تقود هذا الاقتصاد، وأي عطل أو عطب يصيب هذه القاطرة سيؤدي حتما إلى هزة نحن في غنى عنها.

من هنا تأتي أهمية التدخل لمنع تفاقم مثل هذه الأحداث ووضع حد لها، إضافة إلى ضرورة فرض هيبة الدولة، وإلزام الجميع باحترام قوانينها وعدم الإخلال بأمنها.

حسنا فعلت شرطة دبي بإعادة طباعتها لكتيب «دليل العامل» بلغات العمال المختلفة، وتوزيعه على أكبر شريحة منهم ليعرفوا حقوقهم وواجباتهم في إطار سعيها إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان بين جميع فئات المجتمع للمساهمة في تحقيق الاستقرار النفسي والاقتصادي والاجتماعي.

فجميل أن يعرف كل فرد في المجتمع حقوقه وواجباته، لكن الأجمل هو أن يعرف أيضا حدوده والخطوط الحمراء التي عليه ألا يتجاوزها، كي نحفظ لهذا البلد الأمن والاستقرار اللذين هما من أكبر نعم الله علينا.

وإذا كان هناك من يعتقد أن هذا البلد لن تقوم له قائمة بدونه فهو لا شك واهم، وعلينا أن نوضح له الصورة المغلوطة التي تكونت لديه عنا، فقد استطاع أبناء هذه الأرض التعايش مع أقسى الظروف عندما لم تكن وسائل الرفاهية والعيش المريح متوفرة لهم.

وعندما لم يكن هناك نفط يجتذب كل شعوب الأرض إلى هذه المنطقة لتصبح جنة أحلام الباحثين عن فرص العمل والثروة، وعندما لم تكن هناك كهرباء يتسبب انقطاعها ساعة واحدة فقط في ثورة كتلك التي قام بها أولئك العمال الذين لم يعتادوا الرفاهية التي وفرتها هذه الدولة لهم.

ثمة دور تقوم به بعض السفارات والقنصليات في الدولة يجب أن يوضع له إطار ضمن الأعراف الدبلوماسية المعمول بها في كل الدول، فإيواء هذه السفارات والقنصليات للخدم والعمال الهاربين من كفلائهم، وتبنيها لمواقفهم ظاهرة استشرت كثيرا وأصبحت ملفتة للنظر، فبعض السفارات والقنصليات تحولت إلى معسكرات ومحميات لهؤلاء الهاربين بدعاوى أغلبها باطل.

صحيح أن من مهمة هذه السفارات والقنصليات رعاية مصالح مواطنيها، ولكن ليس على حساب مصلحة هذا البلد وأهله، فعندما تصبح هذه الرعاية سيفا مسلطا علينا يصبح دور هذه الهيئات الدبلوماسية محاطا بكثير من علامات الاستفهام والتعجب.

لم يعد الأمر يحتمل السكوت بعد أن تجاوز الأمر موضوع الهوية التي بحت أصواتنا من أجل المحافظة عليها، وبعد أن أصبحت حقوق العمال شماعة يعلق البعض عليها أحقاده.

ويتخذ البعض الآخر منها ذريعة لمهاجمة بلدنا وتشويه صورته الجميلة التي تكونت عبر سنوات من التعايش في أمن وسلام بين المقيمين على أرضه مواطنين ووافدين. فهلاّ قطعنا الطريق على من يحاول الاصطياد في الماء العكر كي يظل نبعنا صافيا وهواؤنا نقيا ووطنا سالما؟

إذا كان من حق العمال أن يمتنعوا عن العمل عندما يتأخر صرف رواتبهم فإن للوطن حقوقا يجب ألا نتأخر نحن - أبناءه - عن سدادها، وأول حقوق الوطن علينا أن نحافظ له على أمنه واستقراره، ونحميه من عبث العابثين ومكائد الذين يريدون به شرا، فهل ندافع عن حقوق الوطن كما يدافع العمال عن حقهم؟

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com