عجز «مؤتمر الحوار الفلسطيني» عن الارتقاء إلى مستوى طموحات الشعب الفلسطيني وتحديات اللحظة الراهنة. استبدت به حسابات الصراع الداخلي، التي تقدمت، بفعل تضاربها وعمقها، على متطلبات الصراع مع إسرائيل في هذه المرحلة الدقيقة.

هو لم ينته إلى الانهيار. لكن في أحسن أحواله انتهى إلى التعليق. والظرف لا يحتمل مثل هذه الحصيلة لا المعطيات الداخلية تسمح. ولا الهجمة التصفوية على القضية تجيز أو تتقبل ذلك. كل جانب تمترس خلف قبول أو رفض و «ثائق»؛ كي يحتمي بها. بالأحرى، كي يحمي بها مواقفه وطروحاته.

وإذا كان الحوار، أي حوار، هو بالتعريف، أخذ ورد، مرونة وليونة؛ فإنه يبقى محكوماً بالفشل. أو على الأقل بالمراوحة، إذا تنكّر لموجبات هذا التعريف. وهذا ما حصل للحوار الفلسطيني، على مدى يومين؛ والذي عقدت عليه بعض الآمال للخروج بأفضل مما خرج به.

القضايا الخلافية التي انعقد المؤتمر للتحاور بشأنها؛ بقيت مسافة التباعد بين الفصائل، بشأنها، على حالها: حدود الدولة الفلسطينية الموعودة، إعادة بناء منظمة التحرير، الالتزام بالاتفاقيات المعقودة. لم تحسم الفصائل بخصوصها.

السلطة طرحت الاحتكام لـ «وثيقة الاسرى» ـ التي قيل إن أسرى من كافة الفصائل بما فيها حماس رفعوا من معتقلاتهم هذه الوثيقة التي تدعو إلى التفاوض مع إسرائيل وضمناً الاعتراف بها.

سارعت حماس إلى رفض الفكرة ـ وذكرت تقارير أن أسراها نفوا ان يكونوا قد وافقوا عليها ـ؛ على أرضية أنها تنطوي على الاعتراف بإسرائيل .

كما رفضت المبادرة العربية التي سبق وطرحت على قمة بيروت عام 2000؛ أوهي لم تحدد موقفاً نهائياً منها ولا من القرارات الدولية. السبب: نفسه ردّت السلطة بمنح فرصة عشرة أيام، قبل أن تدعو إلى استفتاء على «الوثيقة»؛ لو بقيت «حماس» على موقفها منها.

جواب حماس كان سريعاً: إعادة نشر قوة «المساندة» التي كانت قد سحبتها من شوارع غزة قبل 24 ساعة والتي كان نشرها في الأساس، قبل أيام، قد تسبب في توتير العلاقات مع «فتح».

وفي وقوع صدامات مسلحة بينهما. وكان من الطبيعي أن تعود أجواء التأزيم إلى الساحة؛ في أعقاب إعادتها إلى الشارع. من مظاهره كان قيام كتائب فتحاوية بالتظاهر المسلح في غزة اعتراضاً على عودة القوة «المساندة» الحماسية.

لترطيب الأجواء طلع المؤتمر بدعوة إلى إبرام «ميثاق شرف» بين كافة الفصائل لتحريم الاقتتال لكن بصرف النظر عن النوايا وحتى لو سلمت جميعها مئة بالمئة، الكل يعرف ان هكذا مواثيق لا تصمد على أرض الواقع المليء بالألغام المتفجرة بأقل اهتزاز.

الاحتقان تراكم إلى حدّ يستعصي على الضبط الأدبي كما دعا المؤتمرون إلى تأليف «لجنة حوار». أيضاً الكل يعرف أن هكذا مخرج ليس أكثر من قناع ملطّف للفشل. اللجان مقابر للحلول، في الحالات العادية. فكيف في الحالات الملتهبة؟ فلو كانت اللجان قادرة على اجتراح المخرج، لما كانت هناك حاجة للمؤتمر أصلاً!

المؤتمر وصل إلى لا شيء من المطلوب، لان كل فريق تشبث بموقعه وموقفه. حماس بقيت اسيرة لرفض الوثائق ـ وثيقة الأسرى والاتفاقيات والقرارات الدولية والمبادرة العربية.

والسلطة بقيت أسيرة التمسك بهذه الوثائق. الحصيلة حوار طرشان.

والخطر انه مفتوح على مزيد من التصعيد لو وقف كل واحد عند طرحه. فالبعض بدأ يتحدث عن «عزل الحكومة» من خلال الصلاحية التي يملكها الرئيس عباس. ولا يبدو ان هناك مخرجاً الا بالتحرر من البقاء «اسرى» للوثائق واجتراح صيغة خلاّقة تقفز فوقها باتجاه العمل لبناء وحدة وطنية حقيقية تكفل بإخراج الجميع من شرنقة الأسر القاتلة.