القضية الفلسطينية لا تنقصها مبادرات، ما ينقصها هو الفعل ـ وإسرائيل في الوقت نفسه تصنع مبادراتها بنفسها وتشرع في تطبيقها عملياً على الأرض.

في افتتاح مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني في رام الله أعاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ما صار يعرف بوثيقة الوفاق الوطني.. وهي مشروع للمصير الفلسطيني من إعداد أبرز المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ليكون دليل عمل للفصائل الفلسطينية المختلفة.

لكن الرئيس عباس عرض الوثيقة بأسلوب يمكن أن يعتبر تهديدياً. فقد قرنه بموعد نهائي لكي تتبنى فصائل الحوار المشروع خلال عشرة أيام وإلا فإنه سيقدمه إلى استفتاء شعبي خلال 40 يوماً.

وفي حمأة هذا الإنذار نسي رئيس السلطة الفلسطينية انه هو نفسه ـ ومعه المصير الفلسطيني بأسره ـ بات يواجه موعداً نهائياً من لدن الزعيم الإسرائيلي أولمرت. فخلال بضعة شهور يتعين على الرئيس عباس أن يؤهل نفسه كشريك تفاوضي وفقاً للشروط الإسرائيلية وإلا فإن إسرائيل ستطبق مشروعها الأحادي.

وكما هو معلوم فإن في مقدمة هذه الشروط أن يتولى الرئيس عباس «ضرب البنية التحتية للإرهاب»®. وهو تعبير إسرائيلي «مقدس» بمعنى نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية تمهيداً لتصفيتها.

إن مبادرة القادة الفلسطينيين السجناء في إسرائيل ليس فيها ما يعيبها، على العكس فإنها تتناغم مع المبادرة العربية التي تتمركز في إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967.

وإذن فإن المشكلة العظمى التي تواجه الشعب الفلسطيني ليست القدرة على ابتداع مبادرات ذاتية أو ارتضاء مبادرة عربية.. إنما المشكلة هي ان إسرائيل قد وطنت نفسها على رفض أي مبادرة متمسكة بخطتها الأحادية. ومن ثم فإن أولمرت يرفض عملياً التفاوض مع الفلسطينيين ما لم يتعهد الجانب الفلسطيني مقدماً بأن يأتي إلى المائدة التفاوضية وهو على استعداد لكي «يبصم» على المشروع الإسرائيلي. وهذا هو «الشريك الفلسطيني» المقبول في نظر قادة الدولة اليهودية.

وإذا افترضنا ـ كما ينبغي أن نفترض ـ أن من المستحيل أن يقبل أي فلسطيني مشروع إسرائيلي تضم إسرائيل بموجبه نحو 50% من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية لتوسيع الحدود الإسرائيلية..

وإذا افترضنا أيضاً أن إسرائيل تغلق على هذا النحو باب التفاوض نهائياً فما هو الخيار الذي يتبقى للشعب الفلسطيني لاسترداد أرضه وإقامة دولته سوى اللجوء إلى المقاومة الشعبية المسلحة؟

هذا هو نوع السؤال الذي يتحاشى مواجهته الرئيس عباس وبقية طاقم فصيل «فتح» أو «منظمة التحرير الفلسطينية».

إن مما لا شك فيه أن مبادرة السجناء ستلقى قبولاً تاماً لدى الشعب الفلسطيني سواء على مستوى قيادات الفصائل في مؤتمر الحوار أو على مستوى استفتاء شعبي.

وحينئذ سيجد الرئيس عباس وقيادات فتح أنفسهم في مواجهة السؤال الأكبر: ثم ماذا بعد؟