راهن الكثيرون على أن الرجل القادم ليشغل محل الرئيس ياسر عرفات بعد أن غيبه الموت ، سيعاني كثيرا من عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وانه مهما اجتهد فلن يستطيع سد الفراغ الذي تركه مناضل من الوزن الثقيل..
فهم لغة السلاح فأتقنها وأجادها إلي درجة كبيرة ، وخبر دروب السياسة الشائكة فمشي فيها من دون أن يدمي نفسه، واستطاع في كل أزمة خانقة بشرت بموته سياسيا ، الخروج سليما معافى، مستلهما قدرة طائر الفينيق على النهوض والعودة إلى الحياة بعد كل مرة يموت فيها ويحترق.
لكن الرهانات كعادتها تنطوي على فكرة المخاطرة ،التي يمكن أن تصيب أو تخطئ، وفى حالة الرئيس محمود عباس «أبومازن» الذي جاء ليجلس على مقعد عرفات الواسع بعد رحيله، فان الرهانات على صعوبة أن يملأ فراغه كانت فاشلة جدا .
وتمكن الرجل فى ظرف شهور معدودة من أن يمسك بكل خيوط اللعبة في يده ، ويصل إلى درجة من القوة ، أهلته ليكون محل اتفاق وإجماع من كافة اللاعبين على ضرورة بقائه في صدارة المشهد الفلسطيني في المرحلة الحالية التي تتسم بدرجة عالية من غموض الرؤية وغياب الطريق والسريالية السياسية.
ففي الداخل الفلسطيني، نجد أن حركة فتح التي ورث زعامتها من الزعيم الراحل، والتي طالما نظرت إليه على أنه الرجل الثاني الذي لا يستطيع الخروج من ظل عرفات، أصبحت تدرك الآن أن التقليل من شأنه مراهقة ثورية ومعارضته حماقة سياسية ومحاولة تقزيمه غلطة تاريخية، لأنه الرمز الوحيد الباقي لها في السلطة ، بعد أن أزاحتها حركة حماس عنها في معركة انتخابية نزيهة كشفتها جماهيريا.
أما «حماس» القادمة إلى السلطة من مدرسة المقاومة، والتي طالما اعتبرته شخصا غير مؤثر في الساحة الفلسطينية بعد غياب الرمز-عرفات- أصبحت على قناعة تامة بان حساباتها كانت خاطئة .
وان الرجل أضحى رقما صعبا لا يمكن تجاهله ،لاسيما بعدما أصبح الشريان الوحيد لها مع العالم الخارجي الذي يطالبها بثمن باهظ للاعتراف بها وبسلطتها لا تستطيع دفعه حتى لا تنتحر سياسيا.
ومن ثم لم يكن غريبا، أن تضع الحركة رئيس مكتبها السياسي وعقلها المفكر خالد مشعل المقيم في سوريا ، فيما يشبه «الحجر السياسي» بعدما تجاوز الحدود في التحدث عن ابومازن.
عربيا لا تختلف النظرة الى ابومازن عنها فلسطينيا، رغم اختلاف الأسباب والدوافع وراء ذلك ، اذ ان كافة الدول العربية ، تراه براجماتيا من الطراز الاول، لا يتوقف كثيرا عند أطروحات «لاتسمن ولا تغني من جوع» مثل إقامة دولة فلسطين من النهر الى البحر، والصراع مع إسرائيل صراع وجود لا صراع حدود .
وبالتالي فانه يستطيع فى لحظة ما ومن دون تردد حسم الصراع المسبب الأول لـ «صداعها» منذ عقود طويلة، ما يمنحها قدرا من القوة أمام شعوبها، بعد ان ظلت دائما تتحجج بهذا الصراع للتهرب من فاتورة الإصلاح والديمقراطية الباهظة الثمن بالنسبة لها، وكانت النتيجة انه لا الصراع حل ولا الديمقراطية تحققت.
اما إسرائيليا، فرغم كل المحاولات الرامية إلى حل الصراع بشكل أحادي،واتخاذ خطوات جدية في هذا الإطار، مثل الانسحاب من قطاع غزة والاستعداد لانسحاب آخر في الضفة الغربية وبناء الجدار العنصري.
وغيرها من الإجراءات التي تبررها بغياب شريك قوي فى الجانب الفلسطيني، فان تل ابيب لا تزال تدرك ان ابومازن هو العنوان الوحيد للتفاوض مع الفلسطينيين ، ولديه من الشجاعة لابرام اتفاق يلبي ابسط حقوق الفلسطينيين على الاقل، ومن ثم فانها لم تتأخر عن تقديم اسلحة الى قواته الامنية ، لتقوية ظهره على الساحة الفلسطينية.
غربيا- اي من جانب اميركا ودول الاتحاد الأوروبي - فان النظرة الى ابومازن لا تختلف كثيرا عما سبق، حيث لا تزال تلك الدول تعتبره صوت الاعتدال الوحيد وسط عاصفة التشدد التي غطت المشهد الفلسطيني منذ إعصار «حماس» الانتخابي.
وانه الرجل المناسب للتعامل معه في كافة القضايا المتعلقة بشعبه، خاصة على الجانب الإنساني، الذي تحملت عبئه منذ إنشاء السلطة الفلسطينية فى عام 1994، وبالتالي تراه مناسبا لمواصلة دعم الفلسطينيين ماليا عن طريقه ، حتى لا تضطر الى تخفيف الحصار الذي تفرضه على «حماس» قبل ان تقبل بشروطها لحل الصراع.
من هنا فان تلويح ابومازن قبل ايام بعرض وثيقة الأسرى التي يناقشها مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني على الاستفتاء العام، والتي اعتبرت تحديا لحركة حماس، لم يكن سوى تعبير عن ان هذا الرجل له شؤون قوية.. لم يكتسبها - مثل آخرين- بفضل قواته ومخابراته وقبضته الأمنية او حتى تاريخه النضالي.
وإنما من اقتناصه للحظة التاريخية التي أدرك انها تسنح مرة واحدة للقادة، ومن لم يستغلها ويتعامل معها بذكاء شديد، يصبح عرضة لتقلبات السياسة التي تشبه الأمواج المتلاطمة فى بحر هائج، ومن ثم لم يضيعها واستغلها إلى أقصى حد، ما مكنه من ان ينال قوة ووضعا أكثر أريحية من مفجر الثورة الفلسطينية.. عرفات.