لا يزال ملف الإصلاح من الملفات الساخنة في البلدان العربية بدليل كثرة المؤتمرات والندوات التي تناقش هذا الملف ، فمنذ مؤتمر القاهرة ومروراً بمؤتمرات صنعاء والدوحة وابوظبي والشارقة وآخرها منتدى دافوس الذي عقد في منتجع شرم الشيخ في بداية هذا الأسبوع حيث كان ملف الإصلاح حاضراً على طاولة البحث والمناقشة.
وقد نوه الرئيس المصري حسني مبارك إليه في كلمته لدى افتتاحه منتدى دافوس وأشار إلى أنه من القضايا المهمة التي سيتطرق اليها المشاركون في المنتدى وبين وجهة نظر مصر في هذا الموضوع.
لكن، رغم تعدد هذه المؤتمرات والمنتديات في السنوات الأخيرة، إلا ان الإصلاح لم ير النور في أكثر البلدان العربية، ولم يخرج من أروقة هذه المؤتمرات إلى الواقع، فالمواطن العربي المتعطش للإصلاح يسمع جعجعة من التنظيرات حول هذه المسألة ولا يرى طحناً لها في واقعه السياسي بالرغم من شعوره بأن هذه القضية أصبحت حاجة ضرورية .
وملحة بالنسبة له لا تحتمل التأجيل نظراً للأوضاع المتردية التي يعيشها الوطن العربي في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتي عبر عنها د. علي فخرو في احد المؤتمرات التي عقدت بالدولة حين قال:
«ليس بمبالغة وصف الوطن العربي بأنه أكثر الأوطان استباحة ونهباً وانكشافا وتعثراً وضياعاً، فهو وطن ينخر الفساد المالي والإداري والسياسي لصالح فئات صغيرة تزداد غنى وترفاً فاحشاً وذلك على حساب أغلبية كبرى تزداد فقراً وتهميشاً ويأساً» لقد رسم لنا فخرو صورة حزينة للوطن العربي.
وأشار إلى أن تغييرهذه الصورة في المشهد العربي الحزين لا يمكن أن تتم إلا من خلال بوابة الاصلاح، وأكد على أن ذلك يعد مطلباً عاجلاً وضرورياً لا يحتمل التأخير .
إن السؤال الذي يمكن طرحه في هذا المقام هو: لماذا تأخر الإصلاح في الوطن العربي؟ في اعتقادي أن هناك أكثر من سبب يسهم في تأخير عملية الإصلاح، ويؤجلها إلى أجل غير مسمى في بعض دول المنطقة.
وهنا سنتطرق إلى أحد هذه الأسباب ونترك الباقي للحديث عنها في مناسبات أخرى، في ظني أن أول هذه الأسباب هو ما يتعلق بإشكالية مصطلح «الاصلاح» وفي هذا السياق يمكن تحديد معنى الإصلاح من خلال وجهة نظر النخب الحاكمة في الوطن العربي التي تقدم هذا المصطلح وفقاً لرؤيتها وأجندتها التي تنطلق منها في فهمها للإصلاح. فما هي وجهات نظر النخب الحاكمة؟
وجهة النظر الأولى: وتمثلها النخب الحاكمة في النظم الشمولية وهي التي تفهم الإصلاح على أنه كلمة حق يراد بها باطل بمعنى أنها ترى أن الإصلاح عبارة عن شيء جميل ولكن يتم توظيفه بطريقة تخدم مصالح مروجيه من الأمريكيين و الغربيين.
ولذلك تصفه بأنه بضاعة أمريكية أو غربية الصنع يريد أصحابها ترويجها وتسويقها في المنطقة بهدف تصفية القوى المعادية للسياسات الأمريكية والغربية ولمشاريعهما في دول المنطقة .
وهو ما يجعل هذه النخب أن تتبنى سياسة الرفض للاصلاح على الطريقة الأمريكية حسب زعمها، وتقف في وجه كل التيارات التي تنادي به بحجة أن القوى الديمقراطية التي تظهر أمام الرأي العام ..
وكأنها المدافع عن قيم الحرية والديمقراطية ماهي إلا طابور خامس للأميركان والغربيين يأتمرون بأمرهم و ينفذون توصياتهم وهم بعيدون كل البعد عن مصلحة الوطن. ولذلك نرى أن هذه النخب لا تتردد في استدعاء مفردات الخطاب الإعلامي الستيني والسبعيني الذي يصف هؤلاء بالتبعية بل يصل الحد بها بنعتهم بالعمالة والخيانة.
وقد نجحت هذه النخب وبحكم سيطرتها على الآلة الإعلامية في أن تكسب معركتها ضد النشطاء سياسيا وحقوقياً في بعض المواقف من خلال بعض الفئات في الشارع العربي مستغلة عداء ورفض هذه الفئات للمشاريع الأمريكية في المنطقة، و العجيب في الأمر أن بعض النخب الثقافية والسياسية صدقت مقولات الخطاب الإعلامي الرسمي ووقفت بجانب النخب السياسية الحاكمة ضد المطالبين بالاصلاح.
من جهة ثانية، فإن النخب الحاكمة أيضاً لا تستجيب للأفكار الإصلاحية المتعلقة بالديمقراطية وتداول السلطة والحرية التي تطرحها النخب الثقافية والسياسية ذات الأجندة الوطنية والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق هو: هل ما تدعيه هذه النخب صحيحا؟
في واقع الأمر ليس كل ما تدعيه وتزعمه صحيحاً بدليل أن بعض القوى السياسية في الدول الشمولية لا ترتبط فى أطروحاتها للاصلاح بالدول الغربية والولايات المتحدة بالتحديد .
وإنما تنبع مطالبتها بالاصلاح من إرادتها وقناعاتها الوطنية منطلقة من الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تمر بها بلدانها والتي هي بالفعل بحاجة ضرورية للاصلاح، لذلك فهي لها أجندتها الخاصة بالاصلاح وترفض الاستقواء بالخارج على دولها.
و ترفض في الوقت ذاته التدخل الأجنبي في مناقشة القضايا الداخلية السياسية والقانونية لانها تدرك وتعي تماماً أن القوى الأجنبية تتحرك في المنطقة لخدمةً مصالحها في النهاية، وإن رفعها لشعار الديمقراطية وتصديره إلى دول المنطقة ما هي إلا واجهة تتسلل من خلاله للتوغل في شؤون المنطقة أكثر مما عليه الآن.
حيث علمتها التجارب أن التواجد العسكري مرفوض من قبل الشارع العربي وغير مقبول من معظم القوى السياسية. من هنا نقول إن مصطلح الاصلاح لدى الجانبين - أقصد النخب الحاكمة والنخب المطالبة بالاصلاح- على النقيض تماما، وهو ما جعل العملية الاصطلاحية متعثرة في البلدان ذات النظم الشمولية بسبب التباعد في فهم مصطلح «الاصلاح» .
وهذا شيء طبيعي لأن كل طرف يتحدث عن الاصلاح حسب مصالحه، فالنخب الحاكمة تدرك جيداً بأن قبولها بوجهة نظر المطالبين بالاصلاح - حتى من أولئك أصحاب الأجندة الوطنية- له معنى واحد بالنسبة لها وهو تنازلها عن السلطة وفتح الطريق أمام القوى الليبرالية الجديدة لتسلم زمام الأمور، وهذا الذي لن تسمح به أبداً مهما كلفها الأمر!.
من هنا فإن الاصلاح لن يجد ضالته في هذه البلدان إلا بتنازل الطرف الأقوى في المعادلة وهو الطرف الذي يمسك الآن بيد من حديد كافة السلطات، والسؤال الذي يمكن طرحه هنا هو كيف السبيل للخروج من هذا المأزق؟
في اعتقادي - وقد يشاركني الكثير في هذا الاعتقاد- إن السبيل للخروج من هذا المأزق لن يكون إلا من خلال الاستمرار في النضال من قبل القوى الوطنية المؤمنة بالديمقراطية التي تتخذ من الأدوات السلمية أسلوباً لها في الحصول على مطالبها المشروعة.
ودون الاستقواء بالخارج مستفيدة في الوقت ذاته من المنظمات الدولية غير الحكومية التي لها سجل مشرف في مجال حقوق الانسان والتي تشجع على نشر قيم الديمقراطية من دون أن يكون لها مصلحة في ذلك.
والحذر كل الحذر من الوقوع في شباك تلك المنظمات الحكومية أو تلك التي لها ارتباط بدوائر اتخاذ القرار في الدول الغربية التي تدس السم في العسل والتي لها هدف واضح هو التدخل في شؤون الوطن العربي بما يخدم مصالح تلك الدول ويحقق غاياتها. أما وجهة النظر الثانية، فتمثلها الأنظمة الشبيهة بالنظم الشمولية .
وهي التي تتفق مع النظم السابقة في احتكارها للسلطة والانفراد بها وإن تم ذلك في شكل ديمقراطي من خلال الحزب الحاكم ولكن تختلف عنها في أنها تتبع سياسة مرنه نوعاً ما في تعاملها مع ملف الاصلاح، كما أنها تتميز عنها بأن لديها برلماناً منتخباً يضم بعض المستقلين وهامشاً أكبر في حرية الرأي.
وتكوين الأحزاب واستقلال القضاء وغيرها من المظاهر الديمقراطية ولكنها لم تصل بعد إلى الديمقراطية الحقيقية بمعنى تداول السلطة عن طريق الانتخابات الحرة والنزيهة يكون فيها الاحتكام عن طريق صناديق الاقتراع. ورغم هذه المظاهر الشكلية للديمقراطية إلا أن هذه النظم أيضاً لديها مصطلحها الخاص بالاصلاح الذي لايختلف كثيراً عن سابقتها من النظم الشمولية.
وترى أن الاصلاح الذي تطرحه الجماعات السياسية والقوى الليبرالية إنما هو صناعة أمريكية ولذلك فإن النخب الحاكمة في هذه الأنظمة ترفضه، وترى أن البديل المقبول لديها هو ذلك الاصلاح الذي ينسج خيوطه من داخل بلدانها وليس من خارجها، أي أنها تريد اصلاحاً صناعة محلية حسب مواصفاتها هي لا حسب مواصفات الدول الغربية.
واذا كانت هذه النظم ترفض الاصلاح الخارجي فهذا لا يعني أنها على حق في كل ما تقوله إذ أن مصطلح الديمقراطية هو غربي المنشأ وأن تطبيقه بدأ في تلك البلدان وهذه حقيقة يجب ألا تغيب عن البال وأن القبول بها دون الدخول في تفاصيلها أمر يجب التسليم به.
من جهة ثانية،نجد أن لهذه الأنظمة وجهة نظر في تطبيق الإصلاح، حيث تجد نفسها على استعداد للشروع في تنفيذ الاصلاح ولكن بالتدريج وليس الاصلاح الجذري التي تنادي به القوى السياسية والليبرالية كما أنها تؤمن أن الانطلاقة الصحيحة للاصلاح تبدأ بالاصلاح الاقتصادي وليس الاصلاح السياسي نظراً لظروف المنطقة وعدم استقرارها.
في اعتقادى أن مثل هذه الطروحات هي في حقيقة الأمرليس إلا مماطلة وتهرب من تنفيذ الاستحقاقات والمطالب الواجبه عليها من قبل القوى السياسية المنادية بالاصلاح، ومحاولة منها للالتفاف على تلك المطالب وتأجيلها لأنها تدرك جيداً أن قبولها بتلك المطالب يعني في النهاية فقدانها لاحتكار السلطة، وإقرار بمشاركة الأطراف الأخرى.
وهذا ما لا تتمناه، فهي وأن أبدت مرونة وليونة في بعض الأحيان مع القوى السياسية المعارضة، فإن ذلك لا يعبر عن قناعة منها بمطالبها وإنما سياسة تكتيكية تتبعها تهدف من ورائها امتصاص غضب القوى السياسية التي بدأت تنزل الشارع لتعبر بطريقة سلمية عن مطالبها الاصلاحية.
أما وجهة النظر الثالثة والأخيرة فتمثلها النخب الحاكمة التقليدية أو ما يطلق عليها في بعض الأحيان بالنظم المحافظة ، واللافت للنظر أن هذه النظم هي الأسرع في الاستجابة لتقبل الاصلاح، فهذه النظم التي كانت توصف يوماً ما بأنها رجعية أصبحت أكثر تقدمية من الدول التي أسبغت عليها لقب النظم الرجعية بدليل أن هذه الدول بدأت بتطبيق برامج اصلاحية في بلدانها يفوق ما قامت به تلك النظم. لكن السؤال الذي يمكن طرحه هنا ما هو الاصلاح الذي تبنته هذه النظم ؟
إن الراصد للتغيرات السياسية التي أدخلتهاالدول على نظمها الحاكمة تدل على أنها تتبنى النظام الديمقراطي مع احتفاظها بالسلطة وقد تم ذلك بالتوافق مع غالبية القوى السياسية التي تنادى بالاصلاح ومعبراً عنه في الدساتير التي أقرتها وفي إعتقادى بأن ذلك لا يجعل من هذه الديمقراطية منقوصة.
كما يصفها البعض مادام هناك توافقأ بين الحكام والمحكومين ، حيث أن هذا النموذج من الديمقراطيات مطبق في كثير من دول العالم والذي يعرف بالملكية الدستورية، صحيح أن هناك اختلافاً بينها وبين ما هو مطبق في هذه البلدان لكن يمكن أن نعزو ذلك إلى الخصوصية.
وإن كان هذا السبب لا يعجب أطرافاً داخل مجتمعات هذه الدول لا تتوافق مع هذه الرؤية إلا أن هذه الفئة لا تمثل الأكثرية بل هي الأقلية وإذا كان خطابها السياسي وأدبياتها يشكك في شكل الديمقراطية المتبعه فهذا لا يعني أنها على حق فيما تذهب إليه فهذا شأنها ومن حقها ولكن ليس من حقها أن تفرض رأي الأقلية على الأغلبية لأنها إذا سارت على هذا الاتجاه فإنها تخالف أحد مبادئ الديمقراطية الأساسية.
من هنا نقول: إن الدول المحافظة قد حسمت أمرها تجاه الاصلاح وبدأت تسير في طريق الديمقراطية وإن لم تصل بعد إلى تحقيق الديمقراطية الكاملة فذلك لأنه لا توجد ديمقراطية كاملة في عالمنا حتى في الديمقراطيات العريقة، وهي في ذلك - اي الدول المحافظة - أحسن بكثير من البلدان العربية الأخرى التي لاتزال تجادل في عملية الاصلاح وتتلكأ في تطبيقه.
كاتب بحريني