نجحت إسرائيل في حشر القضية الفلسطينية مؤخرا في زاوية الأزمة الانسانية وذلك بدفع وتعاون وثيق بينها (أي اسرائيل) وبين أوروبا وأميركا اللتين ساهمتا في تضييق الخناق الاقتصادي على الشعب الفلسطيني.

وساهمت المواجهات التي وقعت بين فتح وحماس إلى إضفاء مزيد من التعتيم والغموض على الموقف التفاوضي مما أعاد للواجهة مقولات اسرائيل بعدم وجود شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه، وجنت اسرائيل الثمرة المرجوة من وراء خطتها هذه بنيل ضوء أخضر من واشنطن لتنفيذ خطة أولمرت الرامية إلى تنفيذ مجموعة التحركات من جانب واحد تستهدف تكريس الاستعمار والجدار وملف اللاجئين وكل ملامح الوجه السياسي للقضية، حيث مازال العالم منشغلا حتى اللحظة بكيفية التعامل مع الجانب الإنساني.

ويعتبر الحوار الوطني الفلسطيني الذي اختتم أعماله أمس فرصة لإعادة القضية إلى وضعها الطبيعي يكون الجانب الانساني والمعونات الاقتصادية بمثابة جزء من الملف وليس الملف بكامله، والأمل معقود في أن يكون الانفلات الأمني والمواجهات بين الفصائل مؤخرا في غزة على وجه الخصوص هي آخر أشكال الصدام بين رفاق المقاومة في فتح وحماس ، فصراع السلطة بين الرئاسة والحكومة أسقط عشرة قتلى دون أي داع خلال الأسابيع الماضية.

والحقيقة أن برنامج الرئيس محمود عباس الرامي إلى التوصل إلى برنامج سياسي مشترك يقوم على أساس وثيقة الوفاق التي قدمها الأسرى هو برنامج جدير بالاعتبار، فقد اعتاد العالم على التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني واعتبرها كل مؤيدي الفلسطينيين في المنطقة والعالم رمز صمود هذا الشعب وعنوان مسيرته النضالية ، لكن الانتخابات الأخيرة في يناير الماضي جاءت بحماس إلى الحكومة وببرنامج يتقاطع مع برنامج السلطة ومنظمة التحرير بوجه عام.

هذا الوضع أوجد بلبلة واضحة وارتباكا فيما يتعلق بالتعاطي مع الملف الفلسطيني ، ومن ثم تضررت القضية من نواح عدة. والمأمول الآن هو برنامج عمل سياسي موحد لتعميق الوحدة الوطنية الفلسطينية والسعي إلى مخاطبة العالم من خلال صوت واحد لتفويت الفرصة على الاسرائيليين الراغبين في الصيد بالماء العكر من خلال صب الزيت على النار وبخاصة حين أعلنوا مواقفهم على دخول سلاح للسلطة من دول مجاورة وهذا ما رفضته السلطة الوطنية الفلسطينية جملة وتفصيلا.

فقد كانت قيادة السلطة على مستوى من الوعي بحيث أدركت أبعاد المؤامرة الاسرائيلية التي استهدفت تفجير الوضع الداخلي الفلسطيني وإخراج موقف السلطة والرئاسة على نحو يوحي بوجود تنسيق عسكري بينها وبين دولة الاحتلال للقضاء على حماس أو إيقاع الشعب الفلسطيني في حرب أهلية.

وهو أمر مجاف للحقيقة، فقادة السلطة ومن قبل قادة منظمة التحرير الفلسطينية حملوا مشاعل النضال دون مساومة على الحقوق الثابتة ودون انتقاص من قدر أي فصيل مقاوم، ومن ثم فإن مشروعية المنظمة المنبثقة من دورها التاريخي ومشروعية الحكومة من مشروعية الانتخابات الحرة المباشرة والنزيهة كلتاهما تصبان في صالح بناء ودعم شخصية المواطن الفلسطيني وتقوية أركان قضيته.

وتكتمل قوة الموقف الفسطيني من خلال دفع الخلاف المرحلي بين فتح وحماس إلى ساحة الاستفتاء الشعبي لتكتسب مسيرة العمل التفاوضي السلمي مزيدا من المصداقية، وهو ما يدعو إلى استيعاب مبدأ الاعتراف بالآخر حتى يمكن التفاوض معه ومن آخر نقطة توقف عندها المفاوض الفلسطيني، فهذا هو الطريق الأكثر ملائمة لطمأنة كل الغيورين على القضية ومشروعيتها.