العودة إلى لغة الحوار وتغليب المصلحة الوطنية على غيرها انتصرت عقب أسبوع من الأحداث المشحونة التي كاد زمام الأمور يفلت خلالها من أيدي الإخوة الفلسطينيين، عندما دوى الرصاص ولامس صدور الأشقاء بعضهم البعض، في مشهد مؤلم لكل محب ومساند للقضية الفلسطينية، ومن حذروا مراراً وتكرراً من خطورة انقسام السلطة إلى رأسين واحدة لحماس وأخرى لفتح.

نعم هناك اختلاف في الأفكار والأساليب، غير أن الهدف في النهاية يظل واحداً، وهو رؤية الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، حقيقة متجسدة في الواقع وليس في الأحلام، بعد كل هذه التضحيات التي قدمت فلسطينياً وعربياً، فرغم الغيوم والعواصف يظل الأمل قابلاً للتحقيق، وإن تبددت بعض الجهود، في أزقة وحواري ما كان يجب ولوجها.

اختار الشعب الفلسطيني حماس لتولي زمام أمور حكومتهم في انتخابات حرة ونزيهة شهد لها الجميع، لكن ذلك لا يلغي وجود الآخر على الساحة، أو إنكار دوره في مسيرة النضال والعمل الوطني، وهو ما يجب أن يكون نصب أعيننا، كلما ألمت بنا الملمات، وظهرت على السطح بوادر الشقاق البغيض.

يخضع الفلسطينيون لحصار جائر وحرب تجويع تستهدف التركيع، ومن ثم لا يجب الانشغال سوى بكيفية تجاوز هذه المحنة، وتحدي من فرضوها، وليس تشتيت الأنظار بعيداً عن أصل المشكلة، بما يستنزف الطاقات والجهود في غير محلها.

الكيان الصهيوني لا ينسى لحظة هدفه، ولا يكف عن ابتكار الأساليب التي تضمن له السيطرة على الفلسطينيين وسرقة أرضهم، ولا يتوانى عن تكثيف عمليات الاغتيال والقتل والتدمير، ضارباً عرض الحائط بكل القرارات الدولية والاتفاقات التي جرى التوصل إليها.

فمواجهة عدو على هذه الشاكلة، تفرض اليقظة الدائمة، لمنع الوقوع في الفخاخ المنصوبة عند كل زاوية وطريق، من اجل الإيقاع بالفلسطينيين في دوامة من الصراع الداخلي الذي يصب في النهاية في مصلحة إسرائيل.

تلك بديهيات للأسف نجد أنفسنا من وقت لآخر في حاجة إلى تذكرها والتذكير بها، رغم سنوات الصراع الطويل الذي قارب الستين عاماً منذ لحظة إعلان الدولة العبرية وحتى اليوم، لكن ماذا نفعل عندما نجد أننا على مشارف الوقوع في خطيئة الاقتتال والتربص ببعضنا البعض!

لقد هالنا أن نرى السلاح الفلسطيني يصوب إلى غير وجهته الحقيقية، وروعنا أن نتابع شرارة الفتنة تكاد أن تتحول إلى حريق يلتهم أصابع الجميع من دون تفريق، وكما يقال ليس كل مرة تسلم الجرة، وبالتالي فإن العودة إلى الحوار بين الأشقاء فريضة، والاحتكام إلى لغة العقل واجب تحتمه الظروف الآنية والمستقبلية، فالهدف واحد وإن اختلفت الأساليب وتنوعت السبل.

لا أحد يريد من حماس التخلي عن ثوابتها الوطنية، ولا تحتاج فتح دروس فيما تمليه اللحظة التاريخية من تحديات جسام، لكن الجميع مطالب بمراعاة مصلحة الشعب الفلسطيني في عمومه، لا فرق بين أنصار هذا الفصيل والمؤيد لذاك، والدم الفلسطيني خط احمر لا يجب تجاوزه أو العبث بقطراته الغالية.

انطلاق مؤتمر الحوار الفلسطيني الذي رعاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أنهى أسبوعاً من الاحتقان، وانفلات الأعصاب، جاء في وقته تماماً، بما يعيد اللحمة إلى الجسد الفلسطيني، والاتفاق على كلمة سواء تحرم الانجرار إلى شبح الحرب الأهلية التي كاد البعض أن يتورط فيها.

الوضع العربي في أردأ حالاته، والضغوط الأميركية والغربية على أشدها، والقمع الإسرائيلي في أوجه، وهي ظروف تحتم على الفلسطينيين التوحد والالتقاء على كلمة سواء تدفن في المهد أي خلاف .

ولا نقول اختلافاً، لأن من طبيعة الأمور الاختلاف في الرؤى والاجتهادات شريطة توظيف التنوع في وجهات النظر والأفكار لصالح الهدف الأساسي وهو دحر الاحتلال وصد أخطاره، وعن هذا الهدف لا يجب أن تزيغ بوصلتنا قيد أنملة مهما كانت المبررات أو الظروف.