تاريخان أوروبيان مهمان هذا الشهر، أولاً في يوم 9 مايو هو يوم أوروبا، اليوم الذي عُرف بإعلان شومان عام 1950، على اسم وزير خارجية فرنسا، بشأن بلورة فكرة إقامة تعاون أوروبي مؤسسي وهي الفكرة الأم وراء إنشاء الجماعات الأوروبية ثم الاتحاد الأوروبي.
إذا كانت هذه ذكرى طيبة جداً في التاريخ الأوروبي، فإن يوم 29 مايو 2005 قبل عام تقريباً يبقى ذكرى أزموية في مشروع البناء الأوروبي، إذا سقط حينذاك مشروع الدستور الأوروبي في الاستفتاء الفرنسي حوله كما سقط أيضاً للتذكير في هولندا، ومع هذا السقوط تعطلت عملية البناء الأوروبي.
صحيح أنه كانت هناك مسببات سياسية واقتصادية فرنسية داخلية وراء ذلك السقوط ولكن كانت هناك تحديداً مخاوف ومحاذير من الدخول في المجهول في عملية الأوربة المتسارعة.
هذه المخاوف والمحاذير، وللمفارقة إذ ظهرت في أقدم الدول المهتمة بالبناء الأوروبي وأكثرها التصاقاً بهذه العملية فإنها تعكس عمق الأزمة بين المواطن في الدول الأوروبية من جهة، وعملية البناء الأوروبي من جهة أخرى، والخوف مما يُسمّى أيضاً بـ «العجز الديمقراطي» كأن يخرج القرار الأوروبي لاحقاً أو يتكرّس خروجه عن قدرة المواطن على الاستمرار في حقه في المساءلة بشأن هذا القرار.
زاد بالطبع في هذه المخاوف والمحاذير عملية التوسع الكبيرة التي شهدتها أوروبا في مطلع مايو أيضاً 2004، الذي يبدو أنه شهر أوروبي بامتياز، من خلال انضمام الدول العشر من أوروبا الشرقية والوسطى وقبرص ومالطا إلى الاتحاد الأوروبي.
ويبدو أن أوروبا اليوم تعيش فترة مراجعة أو تمر في ما يُعرف بوقفة مع الذات، وقفة استراحة المحارب قبل المضي أيضاً في عملية التوسيع التي على أجندتها مسألة الانضمام التركي التي تزداد تعقيداً، ويريد الأوروبيون أو يأملوا أن تتوقف عملية التوسع ولو مؤقتاً عام 2007 بعد انضمام بلغاريا ورومانيا إلى البيت الاتحادي.
وتظهر هنا مفارقة نشأت في اللحظة الراهنة قوامها أن آخر ولادة استقلالية من تفكك يوغسلافيا باستقلال الجبل الأسود يوم الأحد الماضي ستطرح أيضاً بشدة وحدة انضمام هذه الدولة إلى البيت الأوروبي باحثة عن الضمانة والمكانة الضرورية جداً للصغار قبل الكبار.
جملة من المقترحات مطروحة على بساط البحث لإعادة تحريك آلة البناء الأوروبي:
ـ محاولة إحياء مشروع الدستور، كما تصر مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل رغم شبه استحالة هذا الأمر، وحسب ميركل، فإن محاولة إنقاذ مشروع الدستور ضروري من أجل توفير الفعالية للاتحاد الأوروبية، وقدرته على الحركة. ويبدو أن هذه المهمة شبه المستحيلة ستتصدر جدول أعمال الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي في مطلع 2007.
ـ الالتفاف على «الحاجز الدستوري» من خلال طرح ما يعرف بأوروبا المشاريع بحيث تبلور مشاريع مشتركة على الصعيد الأوروبي، تقوم بها الأطراف المعنية في مختلف المجالات، ويجري بعد التوافق عليها تحويلها إلى سياسات مشتركة في الداخل الأوروبي.
ـ العودة إلى مفهوم أوروبا ذات الهندسة المتغيرة، وأوروبا ذات السرعات المختلفة، وهي فكرة خلاصتها أن تقوم تكتلات فعلية من دول تشترك في أهداف معينة أو في مشاريع معينة، وتتحرك وحدها في الإطار الأوروبي دون أن ترتبط حركتها بموافقة الأعضاء الآخرين في الاتحاد.
ورغم جاذبية هذه الفكرة بالنسبة للكثيرين، إلا أنها قد تؤدي كما يقول البعض إلى خلق حساسيات وتوترات في البيت الأوروبي الواحد، ونقل الاهتمام من تركيز الجهود على عمل الكل الأوروبي إلى عمل الجزء الأوروبي للسهولة النسبية لذلك.
ـ التركيز على بلورة سياسية مشتركة في المجالات الممكنة في الخارج وخاصة تجاه المسائل التي تشكل تحديات لأوروبا، وترك قضايا «الداخل» لبعض الوقت في ظل الاستمرار في عملية تقويم البناء الداخلي وانتظار أيام أفضل للحركة من جديد.
أمام ذلك كله من اثقال آلية البناء الأوروبي وإبطاء حركتها بسبب التوسع تبدو أمام أوروبا تحديات أساسية عدة تفرض ذاتها على أجندة الكل الأوروبي، ولم يعد من الممكن تجاهلها أو تأخير التعاطي معها وهي:
ـ تحديد حدود أوروبا الاتحادية، فأين سيتوقف التوسع وهل ستكون كل دول أوروبا الجغرافية مرشحة للدخول في أوروبا الاتحادية. وهذه قضية تثير حساسيات كبيرة وقد تؤدي إلى توترات بين الاتحاد الأوروبي وبعض جيرانه الأوروبيين، كما قد تؤدي إلى خلافات بين الدول الأعضاء ذاتها، وقد ظهر بعضها.
ـ تحديد العلاقة التي ما زالت مبهمة كلياً بين سياسة الجوار الجديدة التي تقوم على المفهوم الثنائي الأوروبي مع كل دولة على حدة، وبين عملية برشلونة، فهل ستغرق الشراكة الأورومتوسطية في البحر الواسع لسياسة الجوار، أم سيتم رسم الحدود بشكل واضح بين الاثنين رغم التداخل والتكامل بينهما.
ـ مسألة الهجرة والاندماج فالديمغرافيا الأوروبية تشيخ وهي بحاجة لضخ بشري ما زالت الخلافات قائمة حول كيفية تنظيمه أو تحديده تحت عناوين مختلفة من سياسات الهجرة على خلفية الأزمات الاقتصادية التي تعيشها أوروبا والتي تغذي الفوبيات القائمة.
وعلى خلفية ان المشكلة الحقيقية اذا تجاوزنا قضية الهجرة غير الشرعية تتعلق بآليات الاندماج في المجتمعات الأوروبية وهي آليات شبه معطلة أو بحاجة للتجديد كما يظهر الأمر من خلال الأزمات التي تأخذ منحى ثقافياً أو منحى تنافسيا أو صدام هويات، أو ضياع هذه الأخيرة.
في ظل تراجع المكانة الأوروبية دوليا كطرف فاعل في السياسة الدولية وتقدم دور الحلف الأطلسي باعتباره البنية الأمنية التي تجمع أكثر الأوروبيين مع الولايات المتحدة وفي ظل تراجع المكانة الأوروبية كطرف فاعل في السياسة الدولية وتقدم دور الحلف الاطلسي باعتباره البنية الأمنية التي تجمع أكثر الأوروبيين مع الولايات المتحدة.
وفي ظل تراجع سياسة الدفاع المشتركة لم يعد يكفي اللحاق بسياسات الحلف الاطلسي أو رفض مهمات هذا الحلف بل صار من الضروري بلورة علاقة لم تكن موجودة اصلاً بين الاتحاد والحلف في دوره الجديد حفاظاً على الشخصية الدفاعية والسياسية لأوروبا.
هذه بعض التحديات على الأجندة الأوروبية لا يمكن للانشغال في الداخل ان يبعد أوروبا عن الاهتمام بها لتأثيراتها على هذا الداخل وتأثيراتها في المكانة الدولية لأوروبا.