يأتي قرار الكونغرس الأميركي الأخير مساء يوم 23/5/2006 والمتعلق عبر بنوده المختلفة، باحكام المزيد من الحصار والمضايقات ليس على السلطة الوطنية الفلسطينية فقط، بل وعلى منظمة التحرير الفلسطينية، ليضيف شكلاً جديداً من الضغوط المتتالية التي لم تتوقف في سياق عملية «العقاب» اللئيم التي توجهها واشنطن للشعب الفلسطيني لقاء خياراته الديمقراطية، التي عبر عنها في أنزه عملية انتخابية جرت في المنطقة منذ عقود من الزمن.

وما فاقم من الصدى السلبي للقرار الأميركي الذي قدمته واشنطن كهدية ومباركة لإيهود أولمرت في زيارته الأولى للعاصمة الأميركية كرئيس لوزراء إسرائيل، هذا التنازع غير المبرر بين الطرفين الأكثر حضوراً في الخارطة السياسية الفلسطينية، وهو التنازع الذي استطال متخذاً أبعاداً دموية جراء الاشتباكات بين مختلف المجموعات المسلحة في قطاع غزة.

فأمام استمرار حالة الفوضى والتخبط الأمني، واتساع هوة التباين السياسي بين حركتي فتح وحماس، فإن لسان حال المواطن الفلسطيني يردد في قطاع غزة «لا مع ستي بخير، ولا مع أمي بخير»، فلا حركة فتح استطاعت إلى الآن أن تضبط الحالات المنفلتة من بعض مجموعاتها المسلحة.

ولا حركة حماس استطاعت بدورها أن تتوصل إلى مساحات سياسية فعلية مشتركة مع حركة فتح، تقي المواطن الفلسطيني من شرور حروب عبثية فلسطينية/ فلسطينية، واغتيالات مجانية، وكوارث داخلية تطل من حين لآخر في مناطق قطاع غزة على وجه الخصوص.

فالاغتيالات التي وقعت مؤخراً في مناطق القطاع، واستهدفت عدداً من كوادر من كتائب الشهيد عز الدين القسام، ومحاولة اغتيال مدير المخابرات الفلسطينية في القطاع اللواء طارق أبو رجب (أحمد شنيوره) قيدت وسجلت ضد مجهول هذه المرة، تحول ينذر بالمخاطر الداخلية، بعد أن كانت يد الاحتلال هي الطولى في ممارسة التصفيات والاغتيالات واستهداف الكوادر والنشطاء من مختلف القوى.

ان تطويق الاشتباكات وحل المشاكل الأمنية الداخلية الفلسطينية، لا يكون في الإيغال بتوليد القطبية الحادة في الشارع وبين الناس واستخدام منطق التحريض والتحشيد الأعمى، أو استحداث المراكز الموازية الأمنية أو غيرها، بل يتطلب تفاهماً ندياً عماده المصلحة الوطنية الفلسطينية أولاً، وسيادة روح القانون ثانياً، والنزول عند استحقاقات انتخابات 25/1/2006 ثالثاً.

وفي توفير كل عوامل النجاح والتقدم للحكومة الفلسطينية الشرعية بقيادة رجل الحوار والعقل المتوازن (النوراني) الأستاذ إسماعيل هنية رابعاً.

وأبعد من ذلك، فان تداعيات نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 25/1/2006 مازالت تجرجر نفسها في تعقيد الأجواء الداخلية الفلسطينية بين القطبين الأكبر والأوسع نفوذاً في الساحة الفلسطينية. فالبعض من الجسم التنظيمي لحركة فتح مازال رافضاً في الواقع العملي لاستحقاقات الفوز الحماسي.

ومتمسكاً بلغة وثقافة المكابرة التي ترى بأن حركة فتح دون غيرها تمتلك الأحقية التاريخية والشرعية الثورية في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي فان استدارة حركة فتح نحو الموقع الثاني يبقى غير وارد عند المجموعات إياها في المشهد الفتحاوي الفلسطيني الداخلي، خصوصاً عندما يترافق المنطق المشار إليه مع لغة المصالح عند متنفذي الأجهزة الأمنية أياً كانوا ومن أي انتماء جاؤوا.

بالمقابل، كما يبدو، بدورها، فان حركة حماس تقف الآن في موقع وقفه غيرها من القوى، وهو موقع «الحنين الفصائلي» لصيغة تقاسم «الكعكة» بدلاً من التشارك فيها، والمقصود بذلك مايتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية ومرجعيتها العليا باعتبارها الجهة المسؤولة أولاً وأخيراً عن مصير ومآلات الشعب الفلسطيني الواحد الموحد في الداخل والشتات.

ومن هنا أرى بأن دخول حركة حماس وانضواءها تحت عضوية منظمة التحرير الفلسطينية الكاملة ومعها حركة الجهاد الإسلامي مسألة على غاية من الأهمية وفق ميزان حضورها ووزنها على الأرض وبين الناس والجمهور في فلسطين ودياسبورا الشتات.

ولكن بعيداً عن منطق «المحاصصة الفوقية» أو نظام «الكوتا» المعروف فلسطينياً منذ دخول القوى والفصائل إلى عضوية منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968. وهو المنطق الذي أورثنا التخلف المؤسساتي والعاهات التنظيمية والمسلكية، وحتى الفردية الشخصية على امتداد مسيرة العمل الوطني الفلسطيني المعاصرة.

وعليه يقع على عاتق حركة فتح مهام استثنائية باعتبارها «أم الولد» لتكريس منطق التحالف مع الشريك الفاعل والمؤثر في الساحة الفلسطينية، وتجنب حالات الاحتراب الداخلي، وحل الاستعصاءات القائمة بروح ايجابية، منعاً لحدوث انهيارات داخلية في البيت الفلسطيني.

كما أن حركة حماس، بتجربتها الغضة على صعيد التحول في إدارة السياسات الخارجية بحاجة ماسة إلى حركة فتح الضليعة في تجربتها السياسية في الميدان العربي والدولي، والى الجبهة الشعبية وباقي الفصائل الأساسية.

فسلامة البيت الفلسطيني بحاجة إلى إحلال العلاقة المتوازنة بين القوتين الأكبر في الساحة الفلسطينية، وبحاجة ماسة لايجاد نمط من التحالف الكاثوليكي الفتحاوي الحماسي لا تهشيمه وتحطيمه.

أخيراً، ان وقف عملية الاستقطاب الحاد المتنافر، وتطويق الأحداث الدموية بين حركتي فتح وحماس، مهمة عاجلة على جدول أعمال كل القوى في الداخل الفلسطيني، فهي مهمة لاتقبل التأجيل أو المماطلة والتسويف.

ولا تقبل منطق الترقيع و«تبويس اللحى»، فكفى الشعب الفلسطيني مآسيه الآتية بفعل الاحتلال، وكفى تنافرات داخلية بينما يحظى ايهود أولمرت بالعطايا والهبات السياسية الأميركية وأخرها قرار الكونغرس، وكفى انفلاشاً في حياة مؤسساته المتواضعة.

وقبل أن يلعن الناس و«بالفم المليان» كل أبوات الساحة. فالمرحلة على غاية من الدقة، وايهود أولمرت سيطارد الزمن بعد المباركة الأميركية لتنفيذ مشروعه للفصل الأحادي وفق مترادفة خطة «الانطواء»، وعلائم الحل النهائي ترتسم على الأرض من الوجهة الإسرائيلية، خصوصاً بالنسبة لحدود الدولة العبرية الصهيونية، وللكيان الفلسطيني المفترض.

كاتب فلسطيني ـ دمشق