النقطة الأساسية التي توقف عندها المراقبون في البيان الرسمي الذي أذاعته قبل أيام سلطات الأمن المصرية حول نتائج التحقيق في أحداث «دهب» الإرهابية كانت ما يمس العلاقات المصرية - الفلسطينية في ضوء الإعلان عن أن منفذي التفجيرات تلقوا تمويلا فلسطينيا وتدريباً في غزة على استخدام الأسلحة والمتفجرات على أيدي عناصر فلسطينية أمدتهم بالأموال و هنأت زملاءهم في تنظيم «التوحيد والجهاد» بعد تنفيذ العملية الإرهابية.
التركيز على هذه النقطة من جانب المراقبين ووسائل الإعلام يأتي في ظروف بالغة الدقة. فهناك الحصار الذي تقوده أميركا على السلطة الفلسطينية و حرب التجويع التي تتم عقاباً للشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي.
وهناك الحملات الشعبية في العالمين العرب و الإسلامي لمساعدة الشعب الفلسطيني و التي تصطدم بالرفض الأميركي لتحويل أي مساعدات للشعب المحاصر. وهناك مخاطر الحرب الأهلية بين «حماس» و «فتح».
ثم الأهم ـ فيما يتصل بموضوع التفجيرات ـ وهو الاتهام الرسمي الأردني بضلوع «حماس» في تهريب أسلحة والإعداد لسلسلة اغتيالات في الأردن وهو ما تنفيه «حماس» جملة وتفصيلاً مؤكدة على منهجها الصارم في تركيز جهدها على الداخل.
وعلى استهداف العدو الإسرائيلي على ارض فلسطين المحتلة، وعدم القيام بأي عمليات خارجية حتى ضد العدو الإسرائيلي نفسه.. فكيف تسمح لنفسها بالتآمر ضد شقيق عربي ؟!
ومع ذلك فهناك إصرار أردني على صحة الاتهامات، وهناك «تصديق» من الرئيس الفلسطيني أبو مازن بأن ما كشفته له السلطات الأردنية خطير و يستدعي من «حماس» توضيح موقفها.. وقد يكون ذلك جزءاً من صراع السلطة الداخلي بين «فتح» و «حماس».
ولكنه لا يستبعد الاحتمالات الأخرى و التي تتراوح بين زيف الاتهامات أو وجود اختراق لـ «حماس» يستهدف تشويه موقفها او جرها لصراعات تستنزف جهدها أو تستكمل الحصار حولها، أو ـ وهذا هو الأخطر.
ـ وجود أجنحة داخل الحركة تتباين مواقفها خاصة بين «حماس» الخارج و التي يبد وأن مواقفها ـ بصفة عامة ـ لا تتطابق مع «حماس» الداخل التي تدرك لان ـ وهي تتولى المسؤولية ـ أن عليها أن تتعامل بمنطق يختلف عما كانت تتعامل به وهي في المعارضة..مع عدم التخلي عن ثوابتها.
في هذه الظروف يأتي البيان الرسمي المصري عن أحداث «دهب» و ما أشار إليه من علاقة بين منفذي التفجيرات و أطراف فلسطينية، ليثير المخاوف من تأثيره على علاقات القاهرة مع الحكومة الفلسطينية، خاصة بعد أن سلمت القاهرة أسماء فلسطينيين طلبت من السلطة الفلسطينية توقيفهم بعد أن تأكدت من ضلوعهم في أحداث دهب.
و لكن السلطات المصرية كانت حريصة على عدم تحديد الجهة التي ينتمي إليها هؤلاء المطلوبون. وهو أمر ينبغي أن يحسم بسرعة خاصة و أن المؤشرات تؤكد على عدة نقاط أهمها :
أن سلطات الأمن المصرية تستبعد أن يكون المتورطون على صلة «تنظيمية» بأي من حركة «حماس» أو «الجهاد» وقد نفى قادة في التنظيمين أي علاقة بالتفجيرات في زيارات أخيرة للقاهرة.
ووعدوا بالتعاون الكامل للكشف عن المتورطين من الفلسطينيين و الوصول إلى الحقائق و ما إذا كان الأمر يتعلق بتصرفات فردية، أم بتنظيمات صغيرة غير معروفة سابقاً، أم بمحاولات إسرائيلية لا تستهدف فقط توجيه ضربة لمصر و إنما ـ أيضا ـ تدمير العلاقة بينها وبين الفلسطينيين و إنهاء دورها الفاعل مع الأطراف الفلسطينية.
انه في نفس اليوم الذي صدر فيه البيان الرسمي المصري عن أحداث «دهب» كانت الاجتماعات تتواصل في «غزة» بين حركتي «فتح» و «حماس» برعاية مصرية و بمشاركة وفد أمني يتابع العلاقات بين الحركتين و يسعى لوقف التصاعد ومحاصرة الاشتباكات التي تهدد بالانزلاق للحرب الأهلية التي تؤكد الحركتان أنها «الخط الأحمر ».
ومع ذلك فالكل يدرك أن الخطر حقيقي ويتطلب جهداً لوقفه سواء من الأطراف الفلسطينية أو الأشقاء العرب.. وهو ما تتواصل الجهود المصرية بشأنه حتى الآن في إشارة لعدم التأثر بأحداث «دهب» ان التصاعد في الموقف بين السلطة المصرية وحركة «الاخوان المسلمين» في الداخل لا ينبغي أن ينعكس على العلاقة بين القاهرة و«حماس».
ولا ينبغي أن ينعكس أيضا على حركة الشارع المصري لدعم موقف الشعب الفلسطيني المحاصر. وهو أمر يتطلب من كل الأطراف ـ وخاصة من حماس ـ جهداً متوصلاً لمنع التورط في الصراعات الداخلية في مصر، و إبقاء القضية الفلسطينية فوق الخلافات و محلاً لإجماع كل القوى في مصر.
النقطة الأساسية الأخرى التي ينبغي الوقوف عندها في البيان الرسمي المصري حول نتائج التحقيقات الأمنية في أحداث «دهب» هو ما أشار إليه من أن «الأحداث الأخيرة تشير بوضوح إلى مخاطر تنامي ثقافة التطرف و التعصب وسط موجات عنف إقليمي غير مسبوقة.
بما يطرح بإلحاح تواصل جهد قومي تتكامل مقوماته من خلال وعي المواطنين و فعاليات المجتمع المدني»هذا الحديث يطرح منذ سنوات و لا يلتفت إليه أحد، و المفارقة أنه يأتي الآن من سلطات الأمن التي كانت تكتفي قبل ذلك بتأكيد قدرتها على مواجهة كل موقف ومحاصرة كل تهديد.
وبالتالي كانت القيادات السياسية تكتفي ـ من جانبها ـ بالتعامل الأمني مع كل القضايا الأساسية من مشاكل الأقباط إلى التفجيرات الاجتماعية إلى مواجهة الإرهاب..
في كل هذه القضايا غابت السياسية وحضر الأمن، وهو أمر لا يمكن أن يؤدي إلا إلى إبقاء المشاكل بلا حل حقيقي، ودخول الدولة في صدامات مستمرة، وغياب الحوار الحقيقي بين القوى الفاعلة في المجتمع.
وربما لفت النظر في الفترة الأخيرة أن ردود الفعل في أحداث الفتنة الطائفية في الإسكندرية، ثم أحداث التفجيرات الإرهابية في «دهب» كانت مختلفة عما كان يحدث في أحداث مشابهة من قبل. صحيح أن كل القوى والتيارات السياسية أدانت ما حدث و أكدت على خطورته و طالبت بالتصدي الحقيقي له.. ولكن ماذا بعد ؟
بدلاً من الدخول في حوار حقيقي بين الجميع بحثاً عن سبل للمواجهة، انتهي الأمر بأن انعكس مناخ التوتر السياسي السائد على هذه القضايا المصيرية لتصبح جزءاً من الصراع الدائر. وبدلاً من أن تكون هذه الأحداث عاملاً للتقارب بين كل الأطراف لمواجهة الخطر و التوافق على خطط المواجهة تحولت في النهاية إلى مجرد أوراق في الصراع الدائر على الساحة السياسية..
وهكذا تحولت أحداث الإسكندرية الطائفية إلى تساؤلات حول هل كانت بسبب مختل عقلياً أم لا، دون الدخول إلى صلب المشكلة و مناخ التوتر الطائفي الذي يسمح بتكرار هذه الحوادث و لأتفه الأسباب ! و تفجرت التساؤلات بعد أحداث دهب عن مسؤولية الأمن بعد تكرار الأحداث الإرهابية لثالث مرة في المنطقة.
وحول مسؤولية الدولة في إهمال تعمير سيناء، وحول التجاوزات الكبيرة في التعامل مع أهل سيناء بعد الأحداث السابقة، وبينما كانت الحكومة مهتمة باستغلال هذه الأحداث لتمديد حالة الطوارئ، كانت المعارضة متهمة ـ من جانب الحكومة ـ بخلق المناخ الذي يهدد الأمن و يضرب الاستقرار !!
وفي انتظار مبادرة سياسية حقيقية لحوار وطني مسؤول عن صورة المستقبل وكيفية التعامل مع القضايا الأساسية المطروحة، يجيء الحديث من الأمن نفسه المتهم بالصدام مع الشارع السياسي و استخدام القوة المفرطة في التعامل مع المظاهرات السلمية فيتحدث البيان عن تنامي « ثقافة » التطرف و التعصب.
ومواجهة ذلك بالطبع لا يأتي باستخدام قوات الأمن المركزي بل بجهد ثقافي مازال غائبا. ويتحدث البيان عن موجات عنف إقليمي غير مسبوقة تعكس آثارها على المنطقة، ثم يطالب بتواصل جهد «قومي» و بتفعيل «المجتمع المدني»®.
والسؤال كيف يحدث ذلك ؟ في ظل صدامات مع القضاة و الصحافيين، وفي ظل تعطيل العمل النقابي في النقابات المهنية، وفي ظل إفلاس الحياة الحزبية بصورتها الحالية ؟!
ومع ذلك يبقي للأمر أهمية.. فتواصل «الجهد القومي و«تفعيل» المجتمع المدني «لن يحدث إلا بإصلاح سياسي شامل أصبح مطلب كل الأطراف السياسية.. فهل انضم «الأمن» إلى هذه الرؤية بعد أن أدرك ـ ولو مؤخراً ـ أنه لا يستطيع أن يتحمل وحده مسؤولية إدارة الأزمة في غياب السياسة ؟ وكيف تكون الاستجابة من الحكم.. ومن المجتمع المدني ؟!
نقيب الصحافيين المصريين