من الصعب دفن الأيديولوجيا، رغم الحقيقة الجلية التي تبين أن الأيديولوجيات التي عرفها العالم حتى الآن لم تنجح في إسعاد البشرية ورفاهتها، وأن الوصول إلى «أيديولوجيا حديثة» يرتضيها الجميع أمر غير يسير، بل غير مطلوب في نظر الكثيرين.
فالتمسك بالخصوصية النابع من إحساس قوي بالهوية لا يزال يلزم مجتمعات عديدة، فحتى في أكثر هذه المجتمعات تلمسا لطريق الحداثة، نجد القريحة الشعبية لا تزال حريصة على إنتاج فلكلورها، ووضعه في وجه أي تيار يريد أن يجرف هذه المواريث والتقاليد.
نعم يستعمل كثيرون لفظ أيديولوجيا للحديث عن «شيء كريه»، يفسد ولا يصلح، ويشد إلى الخلف ولا يدفع إلى الأمام، ويقود إلى ممارسة سلوك عنيف وعدواني.
لكن حتى أولئك الذين يكرهون الأيديولوجيا، فإن كراهيتهم هذه حين تنتظم في أفكار محددة، ينتمون إليها، ويدافعون عن اعتناقها، ويبررون بها الظواهر والوقائع والسلوكيات، فإنهم يقعون تحت طائلة أيديولوجية، حتى لو كانوا لا يشعرون بذلك، ليس هذا فحسب، بل إن إيديولوجيتهم هذه تبدو ممقوتة بالنسبة لأعدائهم، تماما كما هم يمقتون الأيديولوجيات التي تدفع إلى الصراع ضدهم، أو العمل على عكس ما تقتضي مصالحهم.
وإذا كان الفرار من الأيديولوجيا صعب، فإن البديل هو تفكيك أبنيتها، بحيث ننزع عنها بعض الأوهام، مثل الحديث عن ارتباطها بالطبيعة البشرية، والادعاء بعلميتها التامة، واستخدامها في تبرير حتى أكثر الأخطاء فداحة، وجمودها عند نقاط محددة لا تفارقها بدعوى التمسك بالجوهر. عند هذا الحد ستنجلي «الأيديولوجيا» وتتخلص من شوائبها العديدة، لتؤول في النهاية إلى «منظومة» من القيم السياسية، تختلف من أيديولوجية إلى أخرى.
ويبدو أن هذا الاتجاه سيتعزز، بثقة وتمهل، خلال العقود المقبلة بعد أن عجزت الأيديولوجيات والنظريات عن تفسير العديد من الأحداث الكبرى التي شهدها العالم، مثل تفكك إمبراطورية بحجم الاتحاد السوفييتي.
وانتشار التطلعات القومية، والحركات الانفصالية، وصعود حركة الإحياء الديني، ليس في الإسلام فحسب، بل في كثير من الأديان، وتمسك البعض بذاتهم الثقافية في مواجهة العولمة.
وانتقال أنظمة سياسية عديدة من التسلطية إلى الديمقراطية. فأولئك الموزعين بين التمسك بمبادئ تحكم سير حياتهم والاعتراف بما في الأيديولوجيا من مثالب سيجدون ضالتهم في الالتحاف بنسق من القيم، يتكئون عليه في سيرهم، ويستمدون منه تحديد أهدافهم ونسج آمالهم، وهم يضمنون أنهم لا يتخبطون.
إن هناك «ثورة قيمية» تبدو واضحة المعالم، حيث الانتقال من القيم المادية إلى القيم المعنوية، وهو ما يتجلى في الانشغال بموضوع البيئة، ونوعية الحياة التي نعيشها، إلى جانب حركتي الإحياء القومي والديني، وأخيرا الثورة الفكرية التي يمكن لمسها في الانتقال من مرحلة الحداثة إلى ما بعد الحداثة.
فعلى سبيل المثال، لا الحصر، بعد أكثر من قرن من تراجع مكانة الدين في المجتمعات الصناعية المتقدمة وزوال دور الفلسفة في حياة البشر في تلك المجتمعات، عادت الأصولية المسيحية الكاثوليكية على يد البابا يوحنا الثالث والعشرين، لتفرض وجودها على المجتمع الأوروبي.
واكبتها صحوة أصولية مسيحية بروتستانتية في الولايات المتحدة الأميركية، خاصة في عهد الرئيس رونالد ريجان، في حين ظلت الأصولية اليهودية حاضرة. كما عادت الفلسفة إلى طرح تساؤلاتها الأولى، عن الإنسان والعالم والحياة والزمان والوجود والتاريخ. أما الشرق فقد استمر في تمسكه بالقيم الروحية، بل اعتبر أن ذلك مصدر تميزه، وعول على هذه المسألة في أن تساعده في استعادة نهضته، ومن ثم ريادته الحضارية.
وتزامنت هذه الثورة القيمية، مع ثورة في مناهج البحث العلمي بالإنسانيات، رصدت صعود القيم، بشكل عام، في سلم بعض الرؤى الإنسانية لتصل إلى درجة المثال، وتصبح ضابطا قويا يحكم الكثيرين من سلوك البشر، ويحدد تصرفاتهم في مختلف المواقف، ويعين اتجاهاتهم حيال القضايا المطروحة في واقعهم المعيش.
كما أمدتنا فلسفة العلوم بإمكانية بناء «منظومة قيم»، بوصفها مجموعة من مترابطة، التوافق بينها ضروريا لإعادة إنتاج نسق قيمي يهذب الأيديولوجيا. وقد يسر التداخل بين القيم هذه المهمة.
فعلى سبيل المثال نجد أن قيمة الحرية تتقاطع مع نسيج قيم أخرى، فمن العسير أن نفصل بين الحرية والمساواة، وأي محاولة للسير في هذا الاتجاه تقود إلى المجهول، إذ ان هاتين القيمتين يجب أن يرتبطا ويتعايشا جنبا إلى جنب. ويجب أن تتضافر الحرية مع المساواة، وكذلك العدالة، لتشكل هذه القيم الدعامة الأساسية للنظام الديمقراطي.
والفصل بين هذه القيم هو في الحقيقة فعل متعسف للانتصار لأيديولوجيا بعينها، وليس للعمل من أجل مصلحة المجتمع. فالاشتراكيون رفعوا من منزلة «المساواة» لتعلو لديهم على الحرية والعدل القانوني والسياسي، والليبراليون انتصروا لـ «الحرية» على حساب المساواة والعدل، والإسلاميون يؤكدون أن «العدالة» هي جوهر الدين الخاتم، وبذلك تتقدم عندهم على الحرية والمساواة.
لكن التجربة الإنسانية أثبتت أن التركيز على قيمة واحدة وإهمال بقية هذه القيم المحورية يؤدي إلى التدهور الاجتماعي. فحين جعلت الاشتراكية الخبز قبل الحرية، واختزلت الحرية في جانبها المادي فقط، انتهى الحال بالأنظمة التي طبقتها في تعسف إلى السقوط، وبات على المتمسكين بها أن يعيدوا النظر في موقفهم من الحرية والعدل السياسي والقانوني.
أما الليبرالية، فلم تهمل المساواة والعدل تماما، فقننت «الضمان الاجتماعي» وأعلت من شأن القضاء، وطبقت مبادئ العدل السياسي مع مواطنيها، وكفلت حدا ما من تكافؤ الفرص.
وهذا التداخل، أو وجود نقاط التقاء، بين القيم الثلاث الأساسية ( العدالة والحرية والمساواة) يجعل من الممكن أن نتحدث عن «منظومة قيم»، تاركين وراء ظهورنا الجدل العقيم حول وجود تناقض بين هذه القيم.
فالقول بالتناقض راجع إلى صراع الأيديولوجيات وتنافس الحضارات أكثر من كونه حقيقة واقعية. وإذا كانت الممارسة قد زكت في كثير من الأحيان الإدعاء بالتناقض التام، أو التصادم الحتمي عند التطبيق، فإن هذا كان لخدمة الأنظمة الحاكمة، وليس لمصلحة الجماهير.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة
