اعترف الثنائي بوش ـ بلير بارتكاب أخطاء في العراق! أقرّ كلاهما باتخاذ قرارات في غير محلها أو مؤذية، مثل «الطريقة» التي اعتمدت «لاجتثاث البعث».
وما حدث في سجن أبو غريب؛ فضلاً عن «الهفوات اللفظية» التي نطق بها الرئيس الأميركي والتي أوقعته «بساطته» فيها؛ على حدّ تعبيره، وهكذا بعد مكابرة استمرت ثلاث سنوات ونيف، تواضع بطلا حرب العراق وارتضى كلاهما التسليم بوقوع «أخطاء».
طبعاً في التنفيذ وليس في قرار الحرب؛ الذي حظي، كالعادة، بالدفاع والتسويغ المعروفين، على لسان الزعيمين، وكأن كل ما حصل وتسببت به الحرب كان نتيجة أغلاط تقنية إجرائية، أو كأنهما أرادا إعطاء صك براءة لسياسة الغزو ورمي الملامة على الجانب التطبيقي لها وجعله بالتالي كبش الفداء.
وفي ضوء الهبوط غير المسبوق لرصيديهما المحليين ـ بوش بلغ 31% وبلير 26% حيث بات على عتبة المغادرة لمنصبه، تبدو هذه الفذلكة وكأنها موجهة للاستهلاك الداخلي؛ علّها تساهم ببعض التنفيس والتخفيف من حدّة الضغوط السياسية والإعلامية والشعبية عليهما، وإلاّ لماذا الاعتراف الآن وليس عند وقوع هذه الأخطاء؟
يعرف بوش وبلير تماماً أن النقمة المتزايدة في ساحتيهما، ناهيك بساحات إقليمية ودولية، تنصبّ على التورط من الأساس؛ في هذه الحرب، كما يعرفان ان الحاجة باتت ماسة، لتقليل الخسائر، قدر الإمكان، خاصة وان إقامة الاحتلال تقرَّر أن تكون مديدة. فكان اللجوء إلى لغة «الأخطأ».
وقد افتتحته الوزيرة رايس قبل أسابيع عندما أعلنت أن الاحتلال ربما يكون قد ارتكب «ألف خطأ» في التفاصيل الصغيرة، ربما فاتها أن الوقوع بمثل هذا الحجم من الأغلاط وخلال فترة صغيرة لا تتعدى ثلاث سنوات يعني أن هناك عطبا في الأصل؛ تناسلت منه كل الشوائب والفضائح والمصائب اللاحقة لكن نقد الأصل غير وارد في حسابات واشنطن.
واستطراداً لندن، ولا طبعاً التوبة، واردة، حتى التراجع عن الخطأ؛ على الأقل من خلال جدولة الانسحاب، غير مقبول لدى الرئيس بوش، بل أكثر من ذلك، حيث رفض أمس، مع بلير، الحديث عن خفض ولو مشروط، لعدد القوات المتواجدة في العراق.
في كل حال. فالاحتلال باق حتى إشعار آخر؛ ليس بالقريب. وليس من المهم أن تعترف واشنطن بوقوع «أخطاء» هنا وهناك. فذلك له غاياته الداخلية المعروفة ، المهم، بل الأهم أن يبدأ الوضع العراقي مسيرة نهوضه وأن ينأى عن الأخطاء، فهو لم يعد يحتمل المزيد منها.
وثمة فرصة الآن باليد. حكومة «الوحدة الوطنية» الجديدة باتت تستعد للانطلاق، ومن المتوقع أن يتم استكمالها اليوم بعد نيلها لثقة المجلس النيابي، بداية جديدة نسبياً، الحكومة على المحك والعراق على مفترق طرق، ومصيره يتقرر بمدى قدرة الوزارة على ترجمة شعارها؛ على الأرض.
تعقيدات وضع البلد والتهابات المنطقة قد لا تسمح بتكرار تركيبة حكومية تحت هذا الشعار «وحدة وطنية». على الأقل في المدى المنظور، وإدارة الرئيس بوش وشريكها بلير، بقيت شعاراتها فارغة، على العكس ساءت أمور العراق أكثر.
وسيّان إن هي اعترفت أو لم تعترف بوجود أخطاء، فليس من المتوقع أن يكون الاحتلال مدخلاً للخلاص فهذا مفتاحه، بالنهاية، في يد أصحاب الدار.