لم تقطع إيران الأطلسي وتذهب لاحتلال إحدى دول أميركا الشمالية، وإنما العكس حدث حيث جاورت أمريكا إيران بواسطة قواعدها العسكرية في الخليج واحتلال العراق، ثم أفغانستان، ومن منطلق هذا التطويق مع الجهات الأربع إلى جانب وجود قواعد عسكرية لها في آسيا الوسطى بدأت تضغط على الحكومة الإيرانية، بأن أمنها مهدد، ولابد من البديل الذي يجعلها محصنة عن التحرش بها أو توجيه ضربات لمواقعها..

هنا جاءت الرغبة من كل السلطات منذ هزيمة إيران من العراق، وحتى احتلاله، أنه لابد أن تكون لها قوة مرهوبة في المنطقة، ولذلك اتجهت إلى بناء المفاعلات النووية، وهي التي لا تحتاج لها في توليد الطاقة الكهربائية، ثم اشتد الجدل عندما بدأت بتخصيب اليورانيوم، ليصبح الأمر من حالة إقليمية إلى دولية، ولأن لإيران تصورها الاستراتيجي.

فقد استفادت من الأخطاء الأميركية في بناء منصات صواريخها طويلة المدى، والتكهن بأنها خلال سنوات ربما تصل إلى تفجير قنبلتها النووية، عند ذلك بدأت القضية تتحول من التصريحات الساخنة والتهديد العسكري، إلى التهدئة، ثم محاولة الوصول الى حل يرضي طرفيْ الحوار، أوروبا وأميركا كطرفين، وروسيا والصين كطرفين مساندين لإيران، لكن من دون إغضاب أميركا، أو جرها لفعل عسكري يؤدي إلى كارثة..

قطعاً ليس من مصلحة الدول العربية أن تبقى أمام جبهتين نوويتين: أمام إسرائيل وإيران، وإن ظلت الأخيرة ليست دولة عدوة، لكن السياسات غير ثابتة عكس الأهداف والمصالح الثابتة، والمتغيرة أحياناً تبعاً لتقلبات الأحداث..

من الصعوبة وقف مشروع إيران بالقوة، ولذلك جاءت المداعبات من أوروبا بتقديم معونات نووية غير عسكرية، ثم الوساطة بفتح حوار أمريكي إيراني، وتطمينات لها بأن لا تكون عرضة لأي اعتداء، وقد تصل إلى ضمانات أكبر من كلا الحليفين..

عربياً ليس لدينا إشكال مع إيران، لكن تحفظاتنا تصل إلى مفهوم أنه لا يجوز إغراقنا بحالات الفزع، لأن من يملك أسلحة غير تقليدية ربما تدفعه إلى أهداف غير منطقية، وإسرائيل لم توقف الحروب مع العرب وتقطّع أوصال الأرض الفلسطينية، إلا بعد امتلاكها هذا السلاح، وقد لا تكون المقارنة مع إيران صحيحة، لأنها جوار حضاري، وشراكة دينية، وتراثية، لكن الاحتمالات توضع دائماً كاحتياطات ضرورية، وحتى نصل إلى قناعة مشتركة، فإنه لابد من جعل أمن المنطقة فوق جميع الوساوس والتخرّصات..