ليس هناك ما هو أهم للأمة الحية من الاحتفاظ بذاكرتها التاريخية، ولا أعظم من الحفاظ على أرصدتها الثقافية والعلمية، ولا أكرم من حفظ قيمة رموزها الإنسانية الروحية والقومية والوطنية، في سعيها لاستعادة مكانتها الحضارية بين الأمم.

وليس هناك ما هو أسوأ من أن تفقد الأمة ذاكرتها تجاه تاريخها ورموزها ومصادر قيمتها سوى أن يبقى هذا التاريخ وهذه الرموز وهذه القيمة غائبة عن ثقافة أجيالنا الجديدة وحاضرة في ذاكرة غيرنا من الأمم.

وليس هناك ما هو أسوأ من تجاهل إحياء تراث الأساتذة الراحلين من العلماء والمفكرين سوى الجهل بقيمة ما قدموه من إسهام علمي وفكري ليس فقط لنهضة أوطانهم بل أيضا لمجمل الحضارة الإنسانية، وليس هناك ما هو أسوأ من نسيان تكريم العلماء والمفكرين الأموات بعد رحيلهم سوى تعمد إهانة العلماء والمفكرين الأحياء في حياتهم..

وبالرغم من أنه مرت علينا عقود طويلة عرف عنا خلالها أننا كعرب تعودنا على الاحتفاء الشديد والتكريم العظيم للمبدعين الكبار فقط بعد رحيلهم، وليس في حياتهم.. حتى تردد بين المثقفين القول المأثور ل «أبي الأسود الدؤلي» القائل « إذا أردت أن تعظم أو تكرم فمت »، فإن المفارقة المؤلمة أن العديد من المبدعين الراحلين اكتشفوا بعد أن ماتوا بقرون أن أبو الأسود قد أخطأ في مقولته.

وذلك بعد أن وصل بنا الحال منذ سنوات إلى حد لم نعد نحفل فيه لا بالعلماء والمفكرين الأحياء ولا بالأموات إلا قليلا، والسبب يكمن في تغير نسق القيم التي تطبع العصر المادي بطابعها غير الإنساني، الذي تتوارى فيه القيم الروحية والأخلاقية والثقافية وتعلو فيه القيم المادية والاقتصادية والبراجماتية مع تضاؤل تأثير المبادئ وتزايد تأثير المصالح،.

وتهاوى المعاني وتعالى المباني، وشيوع التبعية الثقافية وزيغ البصر نحو الآخر، وفقدان الثقة بالذات العربية وبلادة الحس نحو الذات الإسلامية، حتى صرنا في مؤخرة قطار الحضارة المعاصرة بعد أن كنا في المقدمة.

وبمناسبة المقدمة التي لم تعد تشغلنا ولا أصبحت هدفا لحركتنا، والمؤخرة التي أصبحت هي واقع جمودنا، فلقد وجدت نفسي مدفوعا من جديد للعودة إلى «المقدمة» التي كتبها العلامة العربي المسلم «عبد الرحمن ابن خلدون» في قلعة بني سلامة في المغرب العربي في العصور الوسطى وبالتحديد في القرن الرابع عشر، ابن الشرق الذي ذاعت شهرته في الأندلس في الغرب والتي اعتبر بها المؤسس العالمي لعلم الاجتماع.

وسبق بها «عالم الاجتماع الفرنسي الشهير «أوجست كونت» وسائر علماء الغرب. وفى المقدمة الخلدونية وقفت أتأمل أسرار العمران البشرى، وعناصر نشوء الدول ومراحل تقدمها وأسباب انهيارها، وكيف تتطور الأنظمة من الجمود إلى الحركة ومن التراجع إلى التقدم .

ومن التقدم إلى الاسترخاء ومن الحركة إلى السكون، وقفت مذهولا وحائرا بين مبتدأه وخبره وما رواه بتحقيق وتدقيق كمؤرخ كبير يستخلص العبر عن أيام العرب والعجم والبربر، ومبعث ذهولي هو كيف بدا ابن خلدون في تناوله العلمي للظواهر السياسية والاجتماعية والحضارية معاصرا إلى هذا الحد !..

إنني فيما قرأت من مقدمته هالني ما فيها من تناول منهجي وتأسيسي لأصول أكثر من علم وليس علم الاجتماع فقط، مما أثار حيرتي في الإلمام بموسوعيته وما يتوجب على أمام هذه الشخصية المتعددة الأبعاد والأعماق من كيفية التلقي منها والنظر إليها، هل باعتباره فيلسوفا أو اجتماعيا أم سياسيا أم اقتصاديا أم مؤرخا أم إعلاميا، إذ يصعب أن تجتمع كل هذه الأبعاد العلمية والفكرية في كتاب واحد لعالم واحد.

وللمفارقة فإن الذي ذكرني بكتاب «مقدمة ابن خلدون» هو الاحتفال المهيب الذي نظمته إحدى دول الغرب وليس الشرق بمناسبة مرور ستة قرون على وفاته، ودعا ملك إسبانيا لحضوره عددا من القادة العرب وأبرزهم رئيس مصر حيث محطة ابن خلدون الأخيرة، ورئيس الجزائر حيث بدأ كتابة مقدمته.

وأمين عام الجامعة العربية حيث ينتمي «أبوزيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي»، فهو ينتمي إلى «اليمن العربي» أصولا، حيث تعود جذوره إلى قبيلة « كندة» في جنوب الجزيرة العربية، وإلى « تونس العربية» في المغرب العربي .

حيث إليها هاجرت عائلته وينتمي إليها مولدا، وإلى «مصر العربية «التي ينتمي إليها حياة ووفاة، وفى مدينة «أشبيلية» الأندلسية التاريخية التي شهدت لقاءه الشهير مع ملك «قشتالة » الإسباني المسيحي ممثلا لملك «غرناطة» العربي الإسلامي في حوار من أجل الصلح وإقامة السلام.

وبالتحديد في القصر الملكي التاريخي حيث أقيم معرض ومتحف ابن خلدون في ذكرى مرور ستمئة عام على وفاته كواحد من أبرز أساتذة الشرق وأحد المساهمين العظام ليس فقط في حضارة الشرق والغرب بل في الحضارة العلمية والفكرية للإنسانية جمعاء.

كم يبعث هذا على الشعور باحترام الآخر الذي مازال يحتفظ بذاكرته التاريخية، ويحفظ فيها للعلم والثقافة إسهامهم الحضاري، ويفسح في ذاكرته الإنسانية المساحة اللائقة للعلماء والمفكرين من أبناء أمتنا ولو بعد مرور ستة قرون من الرحيل، وكم تبعث هذه المبادرة الإسبانية الغربية المسيحية إلى الأمة العربية والإسلامية من رسائل حضارية.

وهى المنطلقة تدعيما لدعوة واعية لحوار الثقافات أطلقها رئيس الوزراء الأسباني «خوسيه ثباتيرو» في إطار مبادرته الدولية المعروفة باسم « تحالف الحضارات»، والتي كانت المبادرة الثانية بعد مبادرته الشجاعة الأولى بسحب القوات الإسبانية من «تحالف تدمير الحضارات» ضد العراق الذي علم العالم الكتابة في أحد أعرق مهاد الحضارات في التاريخ الإنساني.

السؤال هنا هو، هل من المعقول أن يعرف العالم عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، وهل من المقبول أن يقدر الآخر قيمتنا بأكثر مما نقدر نحن قيمة أنفسنا؟

والواقع أننا بقدر ما نملك من علم بحقيقة رصيدنا الحضاري ومن ثقافة غير مريضة تترجم قيمنا وتعبر عن روحنا بقدر ما يمكن أن نثق بأنفسنا ونستعيد ذاتنا لتكون دافعنا إلى صنع التقدم على أرضنا وإلى الإسهام في صياغة عالمنا المعاصر كما كان إسهامنا الحضاري في عالم العصور الماضية، حينها نكون قد عرفنا أنفسنا تماما كما يعرفنا العالم.

والسؤال الآخر هو.. هل يمكن لأمة من الأمم أن تواصل مسيرتها الحضارية إذا هي سمحت لنفسها أن تفقد ذاكرتها التاريخية أو أن تقطع صلاتها الروحية والثقافية والفكرية والعلمية، أو أن تجهل أو تتجاهل قيمة أبنائها وأعلامها ورموزها الحضارية؟، والواقع أنها بهذا تطفئ مصابيحها فتفقد قدرتها على رؤية معالم طريقها إلى التقدم، ويبعد عنها الوصول إلى الهدف بعد أن ضاع منها الطريق.

وأخيرا فلن يحترمنا العالم إلا بقدر ما نحترم نحن أنفسنا، ولن يكون احترامنا لأنفسنا حقيقيا إلا بقدر احترامنا الحقيقي لديننا وتاريخنا وتراثنا العلمي والثقافي والحضاري، وفى القلب من هذا كله احترام رموزنا التاريخية وعلمائنا ومفكرينا ومبدعينا ومنحهم من الحرية والتقدير في حياتهم ما يكون أكثر جدوى من الاحتفاء والتكريم أمام شواهد قبورهم في ذكريات وفاتهم.

لكن المفارقة المؤلمة هنا هي أن أحدا في مصر لا يعرف حتى اليوم أي شاهد قبر لابن خلدون، لأننا للأسف لا نعرف أين دفن هذا العالم الجليل في مصر.

وهى التي اختارها لتكون محطته الأخيرة بعد طول ترحال ونضال عبر البلدان والممالك والقارات، وهى التي عاش فيها قاضيا وأستاذا للفقه بأزهرها الشريف، ومنها تحرك مع الحملة العسكرية إلى الشام لصد العدوان المغولي الزاحف باتجاه مصر، وقام بمبادرته الخلدونية الشجاعة في حوار ثقافي ودبلوماسي نادر مع «تيمور لنك» لفك الحصار عن «دمشق»،.

وهي «مصر» التي عاد إليها ليدفن فيها عام 1406بعد سنوات قليلة من حملة جهاد في «الشام»، ورحلة حج إلى «الحجاز»، وهي مصر التي هام بها حبا وكتب عنها قائلا «لقد رأيت حديقة العالم ومجمع الأمم وبستان الزمان وقصر الإسلام».

هذه لمحة عابرة ولقطة خاطفة عن «ابن خلدون»، الذي عاش حياته مهاجرا، وسعى إلى مراكز العلوم مسافرا، وفى قصور الحكم كاتبا ووزيرا، وفى السجون معارضا وثائرا، وللعلوم معلما وللحضارة العربية والإسلامية والإنسانية مساهما ومجددا ومؤرخا وموحدا.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com#?ِ>){إ>)