بعد أن تستكمل قراءة ملخص المؤتمر الصحافي المشترك بين بوش وأولمرت ترتسم في ذهنك صورة رقعة شطرنج: مربعات بيضاء تنسخها مربعات سوداء.
كأن الرئيس الأميركي ورئيس حكومة إسرائيل ـ الشريك الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة ـ اتفقا سلفاً على سيناريو موحّد لمخاطبة العالم يشتمل على عدد من العبارات اللفظية الإيجابية التي تنسفها في الوقت نفسه عبارات استدراكية على طريقة «نعم.. ولكن».
قال الرئيس بوش إن هناك حاجة إلى مفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وإذا توقفت عند هذه العبارة فإن انطباعك سيكون أن الإدارة الأميركية ترفض التوجه الإسرائيلي للانفراد بتقرير التسوية النهائية وفق خطة أحادية.
لكن الرئيس الأميركي سرعان ما أضاف «إن الخطة الإسرائيلية الأحادية يمكن أن تشكِّل خطوة مهمة نحو السلام». وهي خطة تهدف كما نعلم إلى رسم حدود نهائية لإسرائيل تستولي الدولة اليهودية بموجبها على أكثر من نصف أرض الضفة الغربية.
وفي عبارة غريبة التركيب أشار بوش إلى «تعديلات تحظى باتفاق متبادل». ومعنى هذه الشيفرة أن الولايات المتحدة لا ترفض من حيث المبدأ أن تتعدى إسرائيل على رقعة الأرض الفلسطينية في الضفة «لتعديل» حدود 1967، والشيء بالشيء يذكر فقد سبق أن سلمت الولايات المتحدة لإسرائيل «رسالة ضمانات» رسمية تقر فيها واشنطن بالخطة الإسرائيلية لضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة إلى السيادة الإسرائيلية بصورة نهائية.
وقال بوش: «لا يجوز أن يستبق أي من الطرفين المفاوضات حول اتفاق يتعلق بالوضع النهائي»، لكن هذه العبارة الإيجابية أصبحت فارغة من أي معنى بعد ان تلقت القيادة الإسرائيلية «رسالة الضمانات».
أضف إلى ذلك أن «استباق المفاوضات» قد حصل فعلياً على الصعيد الإسرائيلي.. فبناء جدار الفصل متواصل راسماً على الأرض حدوداً إسرائيلية جديدة.. ومخطط تهويد القدس اكتمل عملياً أو كاد.
ولم يكن رئيس الحكومة الإسرائيلية أقل براعة من شريكه الأميركي في قول الشيء وضده في آن معا.
لقد شدد أولمرت على «حل يتم التفاوض عليه للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني طبقاً لخارطة الطريق التي تنص على إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل».
وذهب أولمرت أبعد من ذلك فأعلن أنه سيلتقي رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «في مستقبل قريب».. بل امتدح عباس بأنه شخص «صادق وجدي».
لكن في عبارة لاحقة في نفس السياق عمد أولمرت إلى نسف العبارة الايجابية السابقة.
فقد تحول عباس ضمناً إلى شريك غير مقبول للإسرائيليين، وبالتالي لن تكون هناك مفاوضات لأن إسرائيل «لا يمكنها أن تنتظر إلى ما لا نهاية بروز محاور فلسطيني مقبول»!.
على عباس إذن أن يؤهل نفسه لكي يكون مقبولاً، وأولى عناصر التأهيل ـ كما أضاف أولمرت ـ هي «نزع أسلحة المنظمات الإرهابية».
غير أن مشكلة رئيس السلطة الفلسطينية من المنظور المصري الفلسطيني هي أنه لا يزال ينظر إلى الولايات المتحدة كوسيط نزيه وحيادي لا يريد للشعب الفلسطيني إلا العدل والخير.