قبل سنوات قليلة، ربما كنا أكثر يقينا عندما نردد أن الاحتراب الأهلي الفلسطيني خط احمر وان الفلسطينيين محصنون من الحرب الأهلية.
الآن لا احد يملك يقينا مثل هذا ويبدو قطاع غزة نموذجا مثاليا للتحليل الكلاسيكي حول الصراعات الداخلية. التحليل الذي يرى أن وجود العدو الخارجي يؤجل التناقضات الداخلية بل ويمحوها في فترة ما. لكن خروج العدو الخارجي سواء أكان احتلالا عسكريا مباشرا أو انتدابا أو وصاية يدفع بالتناقضات الداخلية للظهور ويعطيها قدرا اكبر من الفعالية.
رحل الإسرائيليون عن غزة فأصبحت الآن المختبر الذي يتعين على الفلسطينيين أن يبرهنوا فيه ما إذا كانت حرمة الحرب الأهلية حقيقة فلسطينية أم ثمرة ظرف محدد ستزول بزوال هذا الظرف.
إن الصحافة الإسرائيلية مليئة هذه الأيام بسيل من المقالات التي تتنبأ بحرب أهلية بل وتمعن في كل أشكال الدس لدفع الفلسطينيين نحو الاقتتال. فبعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها قادة أمنيون من حركة فتح في غزة، كتب عاموس هرئيل في «هآرتس» أن «رجال فتح في قطاع غزة على قناعة بان حماس تقف خلف محاولتي الاغتيال» .
وان فتح «ترى في خطوات حماس تصعيدا للصراع العنيف وترى نفسها ملزمة بالرد بشكل مشابه». (في إسرائيل يقدرون أن فتح سترد على محاولات حماس اغتيال رجالها ـ المستقبل عن «هآرتس» ، 23 مايو).
ثمة الكثير من هذه البضاعة الإسرائيلية، لكن عندما يتعلق الأمر بقدرة الفلسطينيين من الناحية الواقعية على تحاشي الحرب الأهلية، يتعين فحص هذه القدرة جيدا. فما يجري منذ فوز حماس بالانتخابات وتشكيلها للحكومة واشتباكات غزة، ليس سوى صورة احتراب تتشكل على نحو دؤوب من ردود الفعل الأولى بعد الانتخابات إلى اشتباكات مسلحي الطرفين.
لقد تم التهوين من كل الأفعال الصغيرة منذ البداية، لكن هذه الأفعال الصغيرة باتت تتراكم بما لا يدع مجالا للشك أن الحصانة ضد الاحتراب الأهلي كانت من صنع ظرف تاريخي ليس للفلسطينيين يد فيه.
يلحظ موشيه العاد الذي شغل مناصب رفيعة في الأراضي الفلسطينية والباحث الحالي في شؤون المجتمع الفلسطيني، أن خضوع الفلسطينيين لقوى أجنبية فترات طويلة من تاريخهم شكل بالنسبة لهم «تجربة تأسيسية ساعدتهم في التغلب على أزمات سياسية داخلية، وعلى فترات الحضيض الاجتماعي ـ الاقتصادي.
وحالت دون انزلاقهم نحو حرب أهلية» مضيفا «طوال العقود الأربعة للحكم العسكري الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية، أثبتت الوحدة الفلسطينية نفسها جيدا».(موشيه العاد، الاحتلال يتلاشى، الأزمات تبدأ ـ المستقبل عن يديعوت أحرونوت، 22 مايو).
وبعد أن يعدد صورا عديدة لهذه الوحدة على مر عقود الاحتلال الماضية يستدرك بان «ما يحصل اليوم يختلف جوهريا عن السابق. فالحاكم ـ العدو الصهيوني الذي كان مسؤولا عن الوحدة الداخلية طيلة تلك السنين ـ لم يعد موجودا.
والصراع هذه المرة داخلي ـ فلسطيني بشأن من يتحكم بمصير ثلاثة ملايين ونصف فلسطيني. إنه صراع بخصوص السيطرة على مليارات الدولارات من الدعم الدولي، وهو أيضا صراع على الزعامة في قيادة المواجهة السياسية والعسكرية ضد الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل».
قد لا يكون هذا الإسرائيلي كاذبا، وبعيدا عن المفاهيم النظرية للصراعات، فان ما يجري في فلسطين منذ فوز حماس يجسد صعود التناقضات الداخلية إلى مرحلة الصدام وان تدريجيا.
انعكس هذا على الأولويات الفلسطينية التي تراجعت الآن من استئناف المفاوضات والمعركة الدولية ضد جدار الفصل وعودة اللاجئين وتحسين الوضع المعيشي والاقتصادي منذ عام على الأقل إلى الحيلولة دون اندلاع صدام فلسطيني - فلسطيني.
وحسب الكاتب الفلسطيني يحيى رباح فإن «الطموح الفلسطيني انحدر إلى ما دون ذلك بكثير (...) كيف نؤمن لقمة الخبز لطوابير الجوعى الذين تزداد أعدادهم يوما بعد يوم وكيف نخفف من حدة الانفلات الأمني ليس إلا وكيف نبعد عن أبواب بيوتنا وحاراتنا وشوارعنا شبح الحرب الأهلية». (يحيى رباح، الفشل كارثة، الفشل ممنوع ـ الحياة الجديدة، 24 مايو).
هذا الغرق المتوالي في اللحظة الراهنة أفضى إلى حالة ضعف فلسطينية عامة وهي النتيجة الأولى والاهم لاستنزاف القوى هذا الذي يجري منذ فوز حماس.
أكثر من هذا، ثمة حالة من العناد لا تزال تحكم سلوك حماس وفتح تسهم إلى حد بعيد في تكريس سلطة وطنية برأسين، الرئاسة من جهة ورئاسة الحكومة من جهة أخرى وثمة خطوات لتكريس هذا الانقسام عبر النزاع على الأجهزة الأمنية. وحسب رباح فإنه «منذ تشكيل قوة المساندة (...) توسعت دائرة الارتباك الأمني في قطاع غزة على وجه الخصوص، وأصبح حديد البنادق الفلسطينية يحتك ببعضه منذرا بعواقب وخيمة قد تتراكم إلى مستوى الحرب الأهلية».
لقد أصبحت مفردة «الحرب الأهلية» هي الكلمة المفتاح في كل أحاديث الفلسطينيين وأصبحت التحذيرات المتزايدة من اندلاعها تعكس إحساسا من أن الحصانة القديمة التي ظلت إحدى حقائق النضال الفلسطيني طيلة العقود الماضية غدت أمنية ليس إلا.
هذه هي واحدة من أكثر اللحظات التي لا يتمنى المرء أن يكتب فيها كلاما مثل هذا. رغم هذا علينا التحلي بشيء من الحصافة. إن الداخل الفلسطيني هو الذي يقدم المثال الحي على الوحدة الوطنية الفلسطينية لان الخارج اختبر شكلا من أشكال الاحتراب مع انشقاق فتح في العام 1983 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
لقد كان ذلك تمرينا لاحتراب أهلي سرعان ما خبا، لكن المقارنة تثبت لنا صحة التحليل حول تأثير العدو الخارجي. لقد رحل الإسرائيليون عن غزة فهل من الضروري أن يصدق التحليل وتبرز التناقضات الداخلية وتتخذ طابعا تناحريا؟
كاتب بحريني