يأتي انعقاد مؤتمر الحوار الفلسطيني في مرحلة مفصلية حاسمة من الصراع العربي - الإسرائيلي, فحكومة إيهود أولمرت تعد العدة لتطبيق خطتها أحادية الجانب للانسحاب - أو ما تحاول إيهام العالم بأنه انسحاب - من أراض في الضفة الغربية، تمهيداً لإعلان الحدود النهائية للكيان الصهيوني والتي كاد الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل أن ينتهي بالفعل من رسم معالمها. هذه "الحدود" سوف تحول الوجود الفلسطيني في الضفة والقطاع إلى مجرد تجمعات سكانية معزولة تفتقر إلى أدنى مقومات الدولة جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً، بحيث يبقى أي كيان فلسطيني يقام بعد ذلك معتمداً على المساعدات الخارجية لتأمين احتياجات المواطن الفلسطيني اليومية، وتحت رحمة مطرقة الآلة العسكرية الإسرائيلية التي ستبقى تنتهك حرمة الأراضي والدم الفلسطيني في غياب أي رادع حقيقي يمنعها من ذلك.

وقد نجحت إسرائيل حتى الآن في تحويل اهتمام الرأي العام عن حقيقة ما تدبره وعن جوهر الصراع في المنطقة. فهي ترفض أي حوار مع الفلسطينيين بحجة عدم وجود "شريك" بعد انتخاب حركة حماس "الإرهابية" في الأراضي الفلسطينية، متناسية جميع الدعوات لإجراء حوار جاد وحقيقي مع الرئيس محمود عباس المقبول داخلياً ودولياً كشريك ذي مصداقية، خاصة بعد التزام حماس بقبول ما ينتج عن أي مفاوضات يكون عباس طرفاً فيها مع الإسرائيليين.

كما نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد قضية إنسانية في الآونة الأخيرة، بعد أن قادت هاتان الدولتان حملة دولية لعزل الفلسطينيين وفرض حصار ظالم عليهم بعد انتخاب حماس، بحيث أصبحت أجهزة الإعلام العالمية تتحدث عن المعاناة "الإنسانية" للشعب الفلسطيني بدلاً من التركيز على قضيته الأساسية وهي الاحتلال وضرورة إقامة الدولة المستقلة وحق العودة وغير ذلك من مفردات الصراع الحقيقية. إن المشكلة "الإنسانية" تستوجب حلاً "إنسانياً" يتمثل في تقديم معونات ومساعدات - كما يحدث للدول الإفريقية في أوقات المجاعات - وبذلك تتحول الدول التي أوجدت الأزمة أصلاً إلى دول خيِّرة تقدم الخبز والدواء لشعب يعاني الجوع والمرض.

لكن أخطر التطورات التي بدأت تأخذ أبعاداً مخيفة على الساحة الفلسطينية هو ما حدث من فلتان أمني في الآونة الأخيرة، مما يهدد بنشوب حرب أهلية تعطي الغطاء الكامل لكل ما تريد إسرائيل تمريره في هذه المرحلة بشلال من الدم الفلسطيني. وما لم يتم العمل على وضع حد لهذه الأزمة الأمنية فإن مرحلة سوداء وحمراء تنتظر المنطقة لا يعلم إلا الله نتائجها ومفرزاتها.

كل هذه الأمور وغيرها - مثل ضرورة إيجاد آلية للتفاهم بين الرئاسة والحكومة الفلسطينية وتوسيع منظمة التحرير وإصلاحها وتشكيل حكومة وطنية فلسطينية وتنظيم السلاح الفلسطيني يجب أن تكون بنوداً أساسية على طاولة الحوار الوطني الفلسطيني ويجب أن توضع آليات عملية لتطبيق كل ما يتم الاتفاق عليه حتى لا يتحول مؤتمر الحوار هذا إلى مجرد شعار في بيان ختامي يتجاهله كل من وقّع عليه قبل أن يجف حبره.

إن المرحلة أخطر من أن يقبل المتحاورون اختصارها في عدة صفحات من الشعارات الكبيرة، فالمهم الآن الاتفاق على التفاصيل.