سمعت أناساً يكذبون ويزورون التاريخ، ولكنني لم اسمع كذبا مثل كذب رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت. ورأيت نفاقا سياسيا، ولكنني لم أر أقبح من نفاق «تنابل» الكونغرس الأميركي.
وقف اولمرت يوم الأول من أمس أمام أعضاء الكونجرس الأميركي، وخلفه كان يجلس ديك تشيني، نائب رئيس الولايات المتحدة، وقال ما لم يقله أحد من قبله، زيف التاريخ الحاضر وليس القديم، وأعطى مجموعة من المعلومات لا يمكن ان تمر على طفل صغير.
ومع ذلك كان يصفق له مع كل جملة وعبارة، وهو يبتسم، ليس فرحا بالتشجيع الذي يقابله به صناع السياسة الأميركية، بل انه يرى حاجة السيناتورات إلى دعم اللوبي الصهيوني واستقتالهم من اجل الحصول على الرضا الإسرائيلي، هو يعرف انه يكذب، ويعرف أنهم يكذبون عندما يصفقون لغير الحقيقة، ولهذا لم تفارقه الابتسامة استهزاء بهم، خاصة عندما يقفون له زيادة في الاحترام المصطنع، فكان يلتفت وكأنه يحصي عدد الذين لا يصفقون أو يقفون، زيادة في الإذلال.
اولمرت قائد حملة تهويد القدس العربية يتحدث عن معاناة اليهود على يد الفلسطينيين طوال 60 عاماً، وأعضاء المجلسين التشريعيين في دولة الديمقراطية الأولى في العالم يواسونه، وهو يتمادى في وصف السلاح الذي حمل في وجه العصابات منذ مائة عام على ارض الميعاد، وهي الأرض التي قال بان التوراة التي تقرأ سور منها هذه الأيام تدعو للتمسك بها.
ولكنه يعلن عند سادة النفاق بانه مستعد بان يتنازل عن بعضها من اجل سلامة الشعب اليهودي، رغم تأكيده بان التوراة تمنع ذلك، والمصفقون يعلمون أن تلك الأرض التي يتحدث عنها لها شعب يملكها، ولكنهم يعجبون بتنازله عن بعضها، ويصفقون له.
ويزيد في الكذب «الفلسطينيون لا يريدون السلام، كنا سنعطيهم دولة بعد سنوات تعيش في أمن ووئام مع دولة إسرائيل، ولكنهم لا يتوقفون عن الإرهاب»، ويصفق له كل »صفيق« ينتظر شهادة حسن تأييد وتشجيع وتصفيق من اللوبي لينتخب مرة أخرى، انهم يشبهون »تنابلة« السلطان الذين تذكرهم كتب المؤرخين، يضحكون اذا ابتسم السلطان ويحزنون اذا تجهم.
ويأكلون اذا أكل، وهؤلاء لا يختلفون عنهم سوى في شيء واحد وهو أنهم لم يتم اختيارهم لظرفهم بل لغبائهم، ولكن عبر صناديق الاقتراح، وهذه المرة الأولى التي اشك فيها بالعملية الديمقراطية التي تفرز مطبلين للظالم الغاصب المحتل لأرض الغير، فاولمرت هذا يمثل أسوء نموذج للدولة الدينية القائمة على العنصرية والتمييز.
وهي تشكل وصمة عار في جبين الإنسانية التي سمحت لمجموعات مشتتة بان تستولى على ارض غيرها وتشرد أهلها، وتقتلهم متى شاءت.
التقى في مبنى «الكابيتول» الكذاب والمنافق فأثمرا مهزلة تاريخية.