في اليوبيل الفضي لقيام مجلس التعاون الخليجي، يحق لدول المجلس أن تفخر وتعتز بهذا الكيان الذي صمد أمام تحديات كبيرة على مدى ربع قرن.

وفي العيد الفضي للمجلس، من حق أبناء مجلس التعاون أن يقفوا وقفة موضوعية مع ما تحقق حتى الآن وما لم يتم تحقيقه، ولكي تكون الوقفة المنشودة هادفة، فلابد أن تتم عبر قراءة موضوعية متأنية لهذه المسيرة بعيداً عن جلد الذات أو التهوين، او الجنوح بعيداً والتهويل.

فمما لا شك فيه، استطاع مجلس التعاون الخليجي الذي أقيم عام 1981 الصمود في وجه أشد العواصف السياسية ابتداء من الحرب العراقية الإيرانية، مروراً بغزو العراق للكويت، وانتهاء باحتلال العراق من قبل قوات التحالف، وبشهادة الجميع خطا هذا الكيان خطوات ملموسة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية شعر بها المواطن الخليجي، وإن لم تحقق بعد كل طموحاته، وما أكثرها.

ولا يختلف المراقبون أيضاً على أن مجلس التعاون الخليجي استطاع العزف على نغمة سياسية واحدة وهو يواجه التكتلات الكبرى على الساحة الدولية، خاصة في الأمم المتحدة، وأخرى اقتصادية متقاربة عبر المفاوضات التجارية التي يجريها مع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.

ومع هذا النجاح الداخلي والخارجي تبقى طموحات أبناء مجلس التعاون حقاً مشروعاً تفرضه معطيات كثيرة، فأقطار مجلس التعاون الخليجي تمتلك كل مقومات قيام الاتحاد الناجح، حيث الثروة النفطية وتشابك القضايا وتشابه التقاليد إلى جانب وحدة الهدف والمصير.

أمام هذه المعطيات ومن خلال الوقفة الموضوعية الهادئة، فإن قادة أقطار مجلس التعاون مطالبون بالكثير لترجمة طموحات شعوبهم على أرض الواقع، فالمواطن الخليجي يريد ان يتلمس قرارات قادته وقد ترجمت على الأرض ان يتنقل بالهوية الشخصية، وان يتملك العقارات والأسهم.

وان يحصل على المقدمة والامتيازات التي يحصل عليها كل مواطن في وطنه، وان تتوحد عملته الخليجية بعد قيام السوق المشتركة، وفي هذا السياق يمكن فهم تصريحات الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن العطية الذي قال «ان دول مجلس التعاون أوجدت واقعاً لا يمكن إغفاله، وستبقى الطموحات أكبر من المنجزات، وهذا أمر صحي ومشروع، إلا ان التفاؤل بالمستقبل مطلوب».

وكي يكون التفاؤل الذي تحدث عنه العطية واقعاً، لابد من الاقتراب من التحديات التي تواجهها دول المجلس والتعامل معها بحكمة. ولا يختلف اثنان على أهمية حل مشكلة العمالة الآسيوية المنتشرة في دول الخليج وما تسببه من مشكلات اجتماعية واقتصادية.

وحسب التقرير الذي أعدته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الاسكوا»، فإن عدد سكان أقطار مجلس التعاون الخليجي بلغ حتى نهاية النصف الأول من عام 2005 نحو 862,35 مليون نسمة، ووفقاً للتقرير فإن الهيكل السكاني بدول مجلس التعاون يتسم بشيء من التعقيد لأنه يضم أولاً عمالاً مغتربين مع أسرهم، وثانيا جماعات متزايدة من الوافدين الجدد إلى سوق العمل، حيث بلغت التحويلات التي تدفقت من أقطار مجلس التعاون الخليجي إلى الدول الآسيوية 5,15 مليار دولار عام 2004.

فالعمالة الآسيوية الوافدة إلى منطقة الخليج في حاجة ماسة إلى المراجعة حتى لا تتفاقم مشكلاتها وأمراضها الاجتماعية والاقتصادية، والى جانب هذا التحدي الداخلي، هناك تحديات أخرى بعضها إقليمي والأخر دولي، فالاستقرار في منطقة الخليج أمر ضروري كي ترى خطط التنمية النور.

ولعل ما يدور حالياً بين إيران والمجتمع الدولي، جدل حول برنامج طهران النووي، يترجم في جزء منه هواجس دول مجلس التعاون ومخاوفها من الآثار السلبية لهذا البرنامج، الأمر الذي عبّر عنه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، الذي أوضح أن الوسيلة الوحيدة في المنطقة لإيجاد الماء هي تحلية مياه الخليج، الذي إذا تلوّث ببرنامج نووي، فإنه سيؤثر على الحياة وعلى معيشة الشعوب في المنطقة.

وإذا كان التحدي الإقليمي يمس بصورة مباشرة وتراً حساساً لدى المواطن الخليجي، فإن التحديات الدولية لا تقل عبئاً، فالمفاوضات التجارية مع الكتل الكبرى مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي والصين، تتطلب تنسيقاً مميزاً بين أقطار مجلس التعاون الخليجي في عصر لا مجال ولا مكان فيه للتكتلات الصغرى..

أمام هذه التحديات وغيرها كمطالب البعض بضرورة الإسراع في خطى الإصلاح السياسي، فإن الوقفة الموضوعية المتأنية مع منظومة مجلس التعاون الخليجي في عيدها الفضي تصبح أمراً لابد منه لاستخلاص العبر من الماضي، واستغلال امكانيات الحاضر، لاستشراف آفاق المستقبل.