يبدو أن الأيام المقبلة بعد انطلاقة الحوار الوطني الفلسطيني مرشحة للكثير من المفاجآت والتصعيد المتبادل بين السلطة وفتح من جهة والحكومة وحماس من جهة أخرى، وكانت الأزمة خفت بعد اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء إسماعيل هنية والرئيس أبو مازن في غزة في الثلث الأول من الشهر الجاري، لكن بعد سفر أبو مازن إلى موسكو وأوروبا، داعياً إلى منح حماس فرصة ومطالباً بترتيب آلية لدفع الرواتب المتأخرة للشهر الثالث على التوالي.
أعلن وزير الداخلية سعيد صيام عن بدء عمل القوة التنفيذية التي شكلها من ميليشيات المقاومة الشعبية لكن أغلبها هم من عناصر كتائب القسّام وقوامها ثلاثة آلاف رجل كلهم ملثمون وبدأت عملها بعد ساعات من إعلان الوزير بقمع تظاهرة طلابية احتجاجا على رسوم لتقديم طلبات التوظيف في وزارة التربية.
وزير الداخلية الذي سبق وهدد بقلب الطاولة على رؤوس الجميع في حالة إفشال حكومة حماس سمع كلاما قاسيا من أبو مازن لكنه واصل مشروعه في تشكيل القوة الأمنية رغم ذلك فهو وزير على جهاز شرطة لا يأتمر بإمرته وأغلب قادته من حركة فتح وحتى لا نتجاوز الحقيقة فإن الفلتان في غزة وصل درجة خطيرة من الاعتداءات والقتل والخطف ولم تستطع أجهزة السلطة وضع حد لها ..
فهل ستتمكن القوة الجديدة من ذلك؟ فتح رأت فيه تحديا لها ومحاولة لإضفاء شرعية على كتائب القسام الذراع العسكرية لحماس لكي يقوم بمهمات ضد فتح ولصالح الحكومة تحت غطاء شرعي مع أن تشكيل القوة مخالف للقانون الأساسي للسلطة. لكن حكومة حماس التي تحاول انجاز شيء ما على الأرض لجأت إلى هذا الحل رغم عدم دستوريته ورغم انه سيثير بقية الأجهزة الأمنية ضدها..
فهناك حرب معلنة بين جهاز الأمن الوقائي بقيادة رشيد أبو شباك وبين كتائب القسام .. وهناك أيضاً توتر بين كتائب الأقصى وكتائب القسام.. وقد يأتي إخراج هذه القوة إلى حيز الوجود ليزيد الموقف اشتعالا ويعقد مؤتمر الحوار الوطني المقبل.
وقد سئل أبومازن أكثر من مرة عن إمكانية الدعوة إلى انتخابات مبكرة إلا انه يبتسم في كل مرة ويحمل نواب فتح مسؤولية ذلك لأنهم عارضوا تعديل القانون في المجلس السابق الذي يتيح للرئيس الدعوة للانتخابات المبكرة، فليس باستطاعة أبو مازن سوى حل الحكومة لكن أية حكومة أخرى لن تمر من المجلس الحالي بسبب الأغلبية الحمساوية فيه. ولا يبقى هناك سوى تشكيل حكومة طوارئ وهي حكومة لا تحتاج إلى ثقة المجلس التشريعي لكنها ستعتبر انقلابا على الحياة الديمقراطية وقد تؤدي إلى حرب أهلية.
خيارات أبو مازن قليلة تحفها المخاطر الكثيرة والقاتلة ولكن الوضع الداخلي الفلسطيني بدأ يتآكل وصبر الموظفين بدأ ينفد مع انسداد أي أفق مالي يتيح صرف الرواتب وان كانت بعض البنوك قد بدأت صرف رواتب للموظفين ذوي الحسابات لديها لكن بعضها الآخر لم يقدم أية تسهيلات.
وإذا صرفت الرواتب عبر آلية أوروبية فإن الفضل في ذلك للرئاسة وليس للحكومة، وفي موازاة ذلك فإن الرئيس الفلسطيني لا ينتظر الكثير سياسيا من حكومة إيهود أولمرت التي تحاول فتح حوار معه كنوع من رفع العتب قبل البدء في تنفيذ مشروع الفصل أو «الانطواء» لأن أولمرت غير مقتنع بخارطة الطريق رغم إلحاح حليفه في الحكومة عمير بيرتس زعيم حزب العمل.
ويحاول اولمرت الحصول على تأثير أميركي لخطته مقابل دعوة أبو مازن إلى مفاوضات فإن قبل خطته كان له، وان رفضها فإنه سيباشر تنفيذها وثمة خلاف بين وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض حول خطة «الانطواء» حيث تتحفظ كوندوليزا رايس عليها فيما يجدها الرئيس بوش معقولة خاصة ما يتعلق بضم الكتل الاستيطانية.
ومهما يكن فإن عدم وجود جدية إسرائيلية في التفاوض على أساس خارطة الطريق من شأنه إحراج أبو مازن وإفلاسه سياسياً، كما تم إفلاس حكومة حماس مالياً، إذ يبدو أن حماس ليست شريكاً جيداً لأولمرت لأنها لا تريد التفاوض أو الاعتراف بإسرائيل، وأبو مازن شريك غير جيد لأنه يعارض خطة الفصل.. مثلما أن اولمرت ليس شريكا جيدا لحماس لأنه غير جاد في المفاوضات وسيحرج أبو مازن. يوليوسيشهد مفاجآت هكذا قال أبو مازن.. ولكن أية مفاجآت.. سننتظر وسنرى.
حافظ البرغوثي