ثمة قانون حديدي في الحياة النيابية الكويتية بمصداقية قانون الجاذبية في الطبيعة مفاده أن أربعا عجافٍ يتبعهن أربع سمان؛ بمعنى آخر، أن وراء كل مجلس أمة ضعيف يأتي مجلس أمة قوي. فبعد مجلس الأمة المزور للعام 1967 أتى مجلس العام 1971.

وبعد مجلس 1981 الذي جاء بعد فترة حل طويلة امتدت أكثر من أربع سنوات والذي جرت انتخاباته وفق نظام الخمس والعشرين دائرة، جاء مجلس العام 1985 الذي لم يُعمر طويلاً وحل في قائظ العام الذي تلاه. ثم تبع تحرير الكويت مجلس ضم جميع القوى السياسية في العام 1992 إلا أن أداءه لم يكن طيباً، فتبعه مجلس آخر في العام 1996 وقد حُل لأول مرة حلاً دستورياً في العام 1999.

ليأتي المجلس الحالي الضعيف الذي حُل غير مأسوف عليه الأحد الماضي حلاً دستورياً، وهو الحل الدستوري الثاني في حياة مجلس الأمة الكويتي والحل الرابع من جملة التوقفات التي تعرضت لها التجربة النيابية في الكويت منذ أول انتخابات أجريت في العام 1963 بعد إقرار الدستور من قبل المجلس التأسيسي في العام 1962.

بيد أن المفارقة قد جاءت من هذا المجلس الضعيف، الذي بحسب جميع المراقبين كان مرضياً عنه من قبل النظام، والذي تعرض خلال السنوات الثلاث من عمره لأكثر الانتقادات حدة من قبل الشارع الكويتي. إذ جاء حله بسبب إقدام ثلاثة من نوابه على طلب استجواب رئيس الوزراء، وهي سابقة في النظام البرلماني النيابي الكويتي.

وهو النظام الذي رُسمت حدود العلاقة بين طرفيه بالممارسة السياسية الواقعية - وليس بنصوص الدستور النظرية، وبالتحديد في مادتيه الرابعة و السادسة - كي لا يتم تجاوز تلك الحدود وإلا تعرض ذلك النظام إلى الاختلال والاضطراب. وفي المرات القليلة التي كان الشعب ممثلاً بنوابه - وهو طرف من طرفي العلاقة - يحاول أن يوسع حدود صلاحياته بتفعيل ما تنص عليه مواد الدستور، كان هذا الطرف يُواجه بردة فعل قوية من الطرف الآخر.

أما الطرف الآخر، فإنه في الممارسة الواقعية اليومية فقد وسع من حدوده، بل تجاوز ما هو مرسوم كثيراً، بالتزوير الفض تارة - كما حدث في انتخابات 1967 - أو بالتزوير غير المباشر تارة أخرى، كالسكوت عن الانتخابات الفرعية أو نقل الأصوات أو استخدام المال السياسي على شكل شراء الأصوات فضلاً عن تسهيل الوساطة للنواب الموالين.

بحيث ابتدعت التجربة الكويتية مصطلحاً يضاف إلى مصطلحات علم السياسة وهو نواب الخدمات في مقابل نواب المواقف. ولعل التوزيع الحالي للدوائر الانتخابية الذي أقر في غيبة المجلس في العام 1980 كان من أبرز قرارات هذا الطرف في توسيع حدوده على حساب الطرف الآخر والذي أدى إلى تشويه الإرادة العامة.

إن مثالب نظام الخمس والعشرين واضحة للعيان وعلى رأسها صغر الدائرة الانتخابية مما يجعل النجاح بها صيداً سهلاً على نواب الخدمات الذين بإمكانهم تقديم خدماتهم لعدد قليل من الناخبين، وهم أيضاً بحاجة إلى مال قليل نسبياً - حسب العرض والطلب في كل منطقة.

وهم فوق هذا وذاك لا يلزمهم سوى نقل عدد محدود من الأصوات ليكون الفارق لصالحهم. وقد أدى هذا النظام إلى استشراء الفساد في العملية الانتخابية، بحيث أصبح نواب الخدمات هم رواد انتخابي العام 1996 و1999. وهنا شعرت السلطة بأنها باتت تتحكم في الإرادة الشعبية، وفي المقابل شعرت بعض الأطراف الشعبية بضرورة المطالبة بتغيير نظام الدوائر الحالي.

وتحت الضغط عمدت الحكومة إلى تشكيل لجنة من وزراء سابقين وشخصيات أخرى، وتوصل هؤلاء أن أفضل توزيع للدوائر الانتخابية يناسب الكويت هو تقسيمها إلى خمس دوائر. وتم تحديد السابع عشر من أبريل الفائت موعداً لمناقشة التقرير، فطلبت الحكومة شهراً كمهلة.

ثم تقدمت بتصور آخر مبني على عشر دوائر، فيه شبهات دستورية لتوافق على أن يعرض على المحكمة الدستورية أملاً منها بالمماطلة والتأخير. ولم تكن الحكومة لتقدم على هذه المناورة السياسية إلا ليقينها بأنها ملكت الشارع الكويتي، وبأن هذا الشارع قد رفع الرايات البيضاء لها مستسلماً.

وما لم يكن بالحسبان هو ظهور مجموعة من شباب الجيل الجديد الذين قلبوا الطاولة عليها رافعين شعار ( نبيها خمسة ). إن تحرك هؤلاء الشباب وطرحهم القوي قد لاقى صداه عند الكثير من نواب مجلس الأمة الذين كانوا بحاجة إلى محفزات شعبية كي ينطلقوا، فكانت الجلسة التاريخية في الخامس عشر من هذا الشهر، تلاه التجمع الشعبي في التاسع عشر منه، والذي اقسم فيه النواب التسعة والعشرون - تحت ضغط الجموع المحتشدة - على التمسك بالدوائر الخمس، وأكد ثلاثة منهم بأنهم سيقدمون استجواباً لرئيس الوزراء.

وهو الأمر الذي كان سيؤدي إلى نهايته المنطقية وهو حل المجلس. ونحمد الله أن الحل جاء دستورياً لنضع الحلول ،غير الدستور، خلف ظهورنا ونطوي صفحتها إلى الأبد.

وها نحن أمام انتخابات جديدة في الكويت، أتتنا على حين غرة، وفي فترة قصيرة لا تتعدى الشهر، وفي فترة الامتحانات النهائية لطلبة المدارس والجامعة، وفي ظروف السفر والاصطياف، بل وفي وطيس مباريات كأس العالم التي يتابعها الكل، فهل نستطيع مواجهة هذه التحديات والإتيان بمجلس قوي يعدل الدوائر الانتخابية ويقضي على الفساد؟

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com