ما أن ننتهي من أزمة مستعصية حتى ندخل في أزمة أخرى مستعصية جديدة. كنا قد اعتقدنا بأن حل «مشكلة صدام» سوف ينهي مشاكل العراق والمنطقة برمتها ويدخلنا في عصر جديد أقل توتراً وهيجانا ومغامرات حمقاء.
ولكن كنا مخطئين على ما يبدو. فالأزمة الإيرانية جاءت لكي تذكرنا بأن التاريخ لم ينته بعد على عكس ما قاله فوكوياما في أطروحته الشهيرة. ولن ينتهي حتى تنتهي الأحقاد المتراكمة في منطقة الشرق الأوسط والتي تفاقمت واستفحلت إلى حد أنها تهدد بتفجير المنطقة كلها وربما العالم بأسره.
وهي أحقاد لا تطفئها مياه دجلة والفرات. لماذا؟ لأنها ليست ناتجة فقط عن الصراع العربي-الإسرائيلي ،وإن كان هو السبب الأساسي، وإنما ناتجة أيضاً عن عدم تصفية الحسابات التاريخية بشكل صحيح حتى الآن بين السنة والشيعة، بين العرب والفرس، بين الإسلام والمسيحية العربية، ثم بشكل أعم أيضاً بين الحضارة الحديثة ككل وجماعات التطرف الأعمى.
كما أنها ناتجة بشكل أساسي عن السياسة الطائشة والظالمة للغرب، هذه السياسة التي لا تعطي أي اهتمام اليوم للفقر والجوع والقهر والحرمان الذي تعاني منه شعوب المنطقة منذ عدة عقود إن لم يكن عدة قرون. فالعولمة الجائرة الناتجة عن إدارة بوش وصقور المحافظين الجدد لا يمكن أن تنتج إلا عالماً مختل التوازن، عالماً يسوده الفقر المدقع من جهة، والبطر الفاحش من جهة أخرى.
لكن لنعد إلى المسألة الإيرانية. كيف يمكن تحليلها عن بعد وليس فقط عن قرب؟ فلا يكفي أن نعرف رأي الداخل في الموضوع وإنما ينبغي أن نعرف رأي الخارج ايضا. نقول ذلك وبخاصة أن هذا الخارج قد يكون ذا دور حاسم في الموضوع باعتبار أن مصير العالم يحسمه إلى حد كبير التحالف الأوروبي-الأ ميركي وذلك قبل أن يكتمل صعود الصين وتتحول إلى قوة عظمى فعلاً.
يرى عالم الجغرافيا والقضايا الإستراتيجية المعروف «ايف لاكوست» أن هناك أسباباً عميقة للأزمة الإيرانية الحالية. ثم يردف قائلاً: لو كنت مسؤولاً استراتيجياً إيرانياً لخفت على أمن بلادي. ولا أقول ذلك تبريراً للموقف الإيراني وإنما كمحاولة لفهمه. فإيران كانت دولة معرضة للتهديدات الخارجية على مدار القرن المنصرم. لا ينبغي أن ننسى أن الاتحاد السوفييتي غزاها عام 1941، وأن المخابرات المركزية الأميركية هي التي قلبت حكومة مصدق عام 1953 ووضعت الشاه محله، وأن الغرب كله كان يدعم صدام ضدها طيلة سنوات الحرب الطويلة بين البلدين.
ثم ينبغي ألا ننسى أنها محاطة بالقواعد العسكرية الأميركية من كل الجهات. فبعد ضربة 11 سبتمبر حرصت الولايات المتحدة على زرع القواعد العسكرية في معظم دول آسيا الوسطى الإسلامية من أجل مطاردة القاعدة: كطاجاكستان، وقيرغستان، وأوزبكستان، وأفغانستان. وهذه الدول تقع كلها على حدود إيران الشمالية. وفي الجنوب الشرقي تقع الباكستان حليفة أميركا أيضاً.
وفي الغرب تقع تركيا. فأين المفر؟ وهكذا تكون قد اكتملت الحلقة وأصبحت إيران محصورة في دائرة ضيقة. وبما أننا نعرف مدى حقد أميركا عليها بعد الثورة بسبب احتلال الحرس الثوري لسفارتها في طهران وإهانتها أمام أنظار العالم كله من خلال حجز دبلوماسييها كرهائن لشهور عديدة فإننا نتوقع أن تكون طهران خائفة من العقاب. فالنظام الإسلامي مستهدف من الغرب. من هنا نفهم سبب حرصه على امتلاك السلاح الذري بأي شكل.
نضيف إلى ذلك عاملاً آخر لا علاقة للغرب به ألا وهو الصراع السني-الشيعي. فإيران هي الدولة الشيعية الوحيدة في العالم الإسلامي، وبالتالي فتشعر بأنها محاصرة أيضاً على هذا الصعيد. فالباكستان تمتلك السلاح الذري. وهناك شبهات حول السعودية ومصر. فما الذي يمنع الباكستان من إعطائهما السلاح الذري إذا لزم الأمر؟
وبما أن الصراع المذهبي السني-الشيعي مندلع حالياً على أوسع نطاق، وهو صراع يريح الغرب في الواقع أو يأخذ عنه كتفاً كما يقال، فإن إيران تريد أن تمتلك كل الأوراق في يدها لمواجهة هذا الصراع في اللحظة المناسبة. وبالتالي فليست إسرائيل هي وحدها المعنية بالموضوع على عكس ما توحي المظاهر.
ولا نقصد بذلك التقليل من خطر العداء الإسرائيلي-الإيراني وبخاصة في ظل النظام الإسلامي، وإنما ينبغي أن نعطي لكل ذي حق حقه في التحليل. فالأمور أكثر تعقيداً مما نظن.
وبالتالي فهناك معطيات موضوعية للخوف الإيراني. نقول ذلك وبخاصة أن الرئيس بوش أقام كل عقيدته الاستراتيجية تقريباً على مفهوم الحرب الوقائية أو الاستباقية. بمعنى أنه يحق للولايات المتحدة أن تضرب الآخرين إذا ما اشتبهت بهم مجرد اشتباه أنهم قد يضربوها يوماً ما، ولا تستطيع أن تنتظر أن يضربوها حتى تتحرك كما حصل في 11 سبتمبر.
فلو أن كلينتون كان شجاعاً وتجرأ على تنظيف معسكرات القاعدة في أفغانستان في الوقت المناسب لما حصل ما حصل. وبوش ليس كلينتون أو هذا ما يريد أن يثبته للعالم كله: بوش كاوبوي من تكساس.
وبالتالي فإن القادة الإيرانيين مدركون تماماً للحقيقة التالية: وهي أن أفضل طريقة لردع أميركا أو منعها من توجيه ضربة محتملة هي أن تمتلك بلادهم القنبلة الذرية. نقول ذلك وبخاصة أن إيران مع امتداداتها في العراق والخليج وسوريا ولبنان (حزب الله) بل وحتى فلسطين (حماس والجهاد) تشكل العقبة الأخيرة أمام تنفيذ مخطط المحافظين الجدد الهادف أساسا إلى فرض قبول إسرائيل على العرب وتحقيق السلام نهائياً بين الطرفين وتطويع المنطقة كلها.
هكذا نلاحظ أن معطيات الصراع الإيراني-الأميركي معقدة ومتشابكة ومتداخلة الخيوط. وذلك لأن أميركا تكره إيران ولا تكرهها في ذات الوقت. فهي تعرف جيداً أن طهران كانت سعيدة عندما ضربت الطالبان وقلبت نظامهم. وتعرف جيداً أنها كانت أكثر سعادة عندما غزت العراق وقلبت نظام صدام، عدوها اللدود.
وتعرف جيداً أن ضرب إيران قد يفسد لها كل مخططاتها في العراق. ولهذا السبب تتردد أميركا في توجيه الضربة الموعودة على الرغم من امتلاكها لكل الأسلحة اللازمة في المنطقة براً وبحراً وجواً. ولكن الثمن السياسي في العراق قد يكون باهظاً. فما العمل؟ تحريك الدبلوماسية عن طريق الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بانتظار ظروف أفضل...
لكي يبقى السؤال مطروحاً: لماذا تصر أميركا على منع إيران من امتلاك القنبلة الذرية وتسكت على امتلاك الباكستان لها؟ نقول ذلك وبخاصة أن الثانية أشد خطراً عليها من الأولى بسبب هيمنة الشارع الاسلامي على الباكستان، بل وحتى اختراقه لقيادة الجيش والمخابرات العسكرية الشهيرة.
وأميركا تعرف جيداً من يحرس «القنبلة الإسلامية» في العاصمة الباكستانية ولا تثق إطلاقاً بالكثير منهم على الرغم من أن برويز مشرف وبعض القادة الآخرين وقفوا معها وخاطروا بأنفسهم أثناء غزو أفغانستان وتدمير معسكرات القاعدة وملاحقة فلولها في الوديان والجبال.
ولكن من قال لكم بأن أميركا نسيت كل ذلك أو سكتت عليه؟ في الواقع إنها مكرهة على ذلك الآن. فهي لا تستطيع أن تقوم بكل الحروب دفعة واحدة. وسوف تهتم بالموضوع لاحقاً عندما تنتهي من الأزمة الإيرانية «وتبلع» القصة العراقية.
وعندئذ سوف تبتدئ المشكلة الكبرى: مشكلة الباكستان وغير الباكستان. عندئذ سوف تبتدئ اكبر عملية تنظيف للبؤر الاصولية في العالم. وسوف تفعل أميركا المستحيل للوصول إلى «القنبلة الإسلامية». عندئذ سوف تحصل المعركة الشرسة مع العالم الإسلامي في العمق. وسوف يكون للهند دور كبير في الموضوع.وربما استغرقت هذه المواجهة عشرات السنين. وبالتالي فالآتي أعظم أيها السادة، الآتي أعظم، ومن يعش ير.
كاتب سوري ـ باريس
