قبل أسابيع انعقدت في مدينة الدوحة بقطر ندوة جمعت باحثين ومفكرين عرب مقيمين في الغرب لدراسة إشكالية هجرة الأدمغة العربية وما هي السبل المثلى لاسترجاع هذه العقول لمواطنها الأصلية للعطاء والمساهمة في التنمية المستدامة وبعث البحث العلمي واستغلاله في صناعة القرار واستغلال الطاقات الهائلة المتوفرة في الوطن العربي. هجرة العقول العربية مشكلة حساسة ومعقدة تتفاقم وتتطور يوما بعد يوم.

حيث أنها تحرج معظم الأقطار والأنظمة العربية، كما تعتبر خسارة فادحة تقدر بالمئات من الملايين من الدولارات. ففي الوقت الذي تحتاج فيها الدول العربية قاطبة لعلمائها وباحثيها ومفكريها؛ يعيش في مختلف دول أوروبا وأميركا وبدرجة أقل أميركا الجنوبية وجنوب شرق آسيا مئات الآلاف من العلماء والباحثين والأساتذة الجامعيين العرب.

وتعتبر هذه الظاهرة من الظواهر المهمة في هذا القرن ولا تقتصر بطبيعة الحال على العالم العربي فقط، وإنما هنالك دول وأقطار أخرى تعاني من نفس الظاهرة. هذه العقول العربية فرضت نفسها في مجتمعات غير مجتمعاتها واستطاعت أن تجد سبيل النجاح والتفوق والازدهار، لكنها لسبب أو آخر فشلت في العودة لبلدانها والانسجام واقتحام سوق العمل والإنتاج العلمي والمنافسة.

يرى كثيرون أن التقدم التكنولوجي الأميركي ساهم في بنائه إلى حد بعيد علماء وباحثون أوروبيون هربوا من الأنظمة القمعية، الشمولية والدكتاتورية والإرهاب الديني والتصفيات العرقية ليستقروا في أميركا «العالم الجديد» التي عرفت كيف تحتضنهم وتوّفر لهم المناخ المناسب للعمل وللبحث والاختراع لتكون هي الرابح الأول بطبيعة الحال.

قد يسأل سائل عن ما هي أسباب هجرة العقول العربية، وما هي مزاياها إن كانت هنالك مزايا وما هي سلبياتها؟ ظاهرة هجرة العقول أو الأدمغة كما يسميها البعض ظاهرة متعددة الجوانب ومتعددة الأبعاد تشكلها جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

تنتشر هذه الظاهرة في الدول العربية وكذلك في العديد من دول العالم الثالث لاعتبارات وأسباب عدة من بينها:طلبة البعثات والمنح الدراسية والدارسين على حسابهم: أكدت أكثر من دراسة أن الطلبة الوافدين من دول العالم الثالث للدراسة في الدول المتقدمة يفضلون البقاء وعدم العودة إلى البلد الأم وأن أكثر من 50% منهم يستقرون في البلد الذين درسوا فيها لعدة اعتبارات.

أول هذه الاعتبارات أن عند العودة يعاني الخريج من مشاكل عديدة كالتوظيف أو ضعف الراتب أو عدم توفر العديد من المستلزمات التي يكون قد تعوُد عليها في الغرب.

الاعتبار الثاني أو العامل الثاني هو الزواج في غالب الأحيان بأجنبية مواطنة البلد الذي درس فيه الطالب الوافد من العالم الثالث. الاعتبار الثالث يتمثل في الذوبان في ثقافة البلد الأجنبي والتنصل من ثقافة البلد الأم. الاعتبار الرابع يتمثل في انعدام المناخ العلمي والفكري السليم وغياب مستلزمات البحث العلمي (مختبرات، مكتبات، مراجع، تمويل البحث العلمي الخ.).

وفي ظل غياب مستلزمات البحث العلمي وحرية الفكر والرأي نجد أن العالم أو الباحث العربي يفضل الهجرة عن البقاء في البلد والضياع في مناخ البيروقراطية والمحسوبية والمشاكل اليومية التي تقتل روح المبادرة والابتكار والإبداع.

فالصراع المحتدم بين الجيل القديم والجيل الجديد، فمن أهم المشاكل التي يواجهها الخريج العربي عند عودته إلى بلده الصراع العنيف الذي يواجهه من قبل البيروقراطيين والإداريين المسؤولين، حيث أن هذه الفئة من الموظفين تنظر للجيل الجديد بنظرة سلبية تنافسية يميزها الموقف السلبي.

حيث أنها تعمل جاهدة على خلق المشاكل والصعوبات حتى تبعد هذه الفئات الأكثر كفاءة وتدريباً عن طريقها. المشكلات العامة التي يعيشها المجتمع من سكن وخدمات ومشاكل المعيشة اليومية إضافة إلى انعدام الأمن والاستقرار وانعدام الممارسة الديمقراطية وفي بعض الأحيان حرية الفكر والرأي، وانعدام ثقافة البحث العلمي وأهميته في صناعة القرار.

عدم الاستفادة الجيدة والرشيدة من الإطارات والكوادر التي تتخرج من الجامعات الأجنبية، ففي الكثير من الأحيان يعُين الخريج الجديد أو العائد من الجامعة الأجنبية في منصب ليست لا علاقة له بتكوين الخريج وتخصصه ومجاله، أو أن يعُين الخريج في منصب يتلاءم مع تكوينه لكنه يهمش ولا تعطى له أية إمكانيات ولا أية مسؤولية.

و إذا نظرنا إلى الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية، نجد أن أكثر من 50% من خريجي الجامعات الغربية من الطلبة العرب لا يعودون لبلدانهم كما أسلفنا الذكر، لكن ما يهمنا هنا هو ما هي تكلفة الدولة في إنتاج باحث في أي تخصص من التخصصات العلمية، وكم هي قيمة الفواتير التي دفعتها الدول العربية للجامعات الغربية مقابل تكاليف الدراسة والإيواء والتأمين والأكل.

الخاسر الكبير هنا هو الدولة التي كلفتها عملية بعثات الطلاب والبعثات العلمية عشرات الملايين من الدولارات سنويا، لتأتي دول في آخر المطاف وتقطف ثمار هذه الاستثمارات بكل سهولة.

وتجدر الإشارة هنا أن الطلبة المبتعثين هم خيرة الطلبة الموجودين في البلد والذين حصلوا على أعلى المعدلات. حسب التقديرات تتراوح تكلفة تكوين طالب بكالوريوس ما بين 80 ألفا إلى 120 ألف دولار، وأما تكلفة الماجستير فتصل إلى 60 ألفا والدكتوراه تتعدى المئة ألف. وبالمقابل لا تجني الدولة شيئا من هؤلاء الذين يستقرون في الدول التي درسوا فيها.

و قد يرى البعض أن العقول المهاجرة تساهم في اقتصاد الوطن الأم، لكن الدراسات أكدت أن هذه العقول ونظرا لمستواها العلمي العالي وكذلك مستواها المعيشي فإنها تنفق نسبة كبيرة من دخلها في البلد الذي تعيش فيه كما أنها تفكر في الاستثمار بعيدا عن البلد الأم. وهكذا نستنتج أن العقول العربية المهاجرة تعتبر خسارة فادحة، ساهمت الدول العربية في تدريسها وتكوينها وإرسالها للخارج لإنهاء الدراسات العليا وفي نهاية الأمر استفادت منها الدول الغربية.

من الناحية الاجتماعية نلاحظ كذلك أن معظم هذه العقول المهاجرة يعاني الكثير منها مشاكل عدة في المهجر وهذه المشاكل تنبع أساسا من طبيعة المجتمع الغربي الذي يختلف جذريا في العديد من المسائل عن الوطن الأم بالنسبة للمهاجر العربي.

فالعالم العربي الذي يستقر في الغرب يعاني ظاهرة الاغتراب والانسلاخ ويعاني أولاده من العديد من المشاكل حيث أنهم يجدون أنفسهم في صراع دائم بين ثقافتين ومجتمعين وبعض الأحيان ديانتينالخ. فإذا دفعت الدولة الأم فاتورة الدراسة والتكوين والابتعاث فإن العقل العربي المهاجر يدفع فاتورة الاغتراب والذوبان في الآخر في معظم الأحيان.

الوطن العربي برمته يعاني من هذه الظاهرة وهذه المشكلة بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال، فما هو الحل يا ترى وكيف تستطيع الدول العربية أن تستفيد من الأدمغة أو العقول العربية الموجودة في الغرب والدول المتقدمة.

هذا ما حاولت ندوة الدوحة الإجابة عليه وإيجاد حلول عملية لبناء جسور تواصل للاستفادة من العقول العربية في الخارج وتوفير الجو المناسب والملائم لها للعطاء للبلد الأم. الأمر إذن، ونحن نعيش عصر العولمة وتحديات الثورة التكنولوجية يتعلق بضرورة إقحام هذه الخبرات والاستفادة منها في الدول العربية.

والمطلوب من كل دولة عربية هو ليس التخلي عن هذه الكفاءات وإنما خلق وإنشاء جسور للتعاون والاستفادة منها، وبدون استثناء فإن معظم العقول العربية يسعدها ويفرحها كثيرا أن تقدم خدمات للوطن الأم وللأمة العربية قاطبة.

الملاحظ هنا أن بعض الدول العربية تلجأ إلى خبراء ومستشارين غربيين رغم وجود أمثالهم وأحسن منهم من العرب.المشكل هنا هو وجود جو من الفتور وعدم الثقة بين كثير من الأنظمة العربية والعقول العربية، ويرى البعض أن السبب يعود إلى أن هذه الأنظمة تخشى الأفكار التحررية وفي بعض الأحيان الثورية لبعض المفكرين العرب الموجودين في الخارج.

كما يرى البعض أن العقول العربية لا تحب ولا توّد التعامل مع بعض الأنظمة العربية التي لا تؤمن بحرية الفكر والرأي والاختلاف. الأمر إذن يتطلب مصالحة ومناقشة وحوار من أجل تقارب في وجهات النظر، والحل هنا هو أن تقوم جامعة الدول العربية وهيئاتها المختصة بإنشاء بنك معلومات يحتوي على العقول والخبرات العربية في جميع أنحاء العالم للاستفادة من عطائهم العلمي والمعرفي.

إنه في هذه المرحلة بالذات وأكثر من أي وقت مضى يجب على الأمة العربية أن تلم شملها والاستفادة بكل ما تملكه من قوة لمواجهة القرن الحادي والعشرين الذي يتميز بالتكتلات والتحالفات والعولمة.

البحث العلمي والإنتاج العلمي هما سبيل نجاح وتقدم الأمم وبدون علماء وباحثين وإمكانيات مادية وميزانيات معتبرة فإنه من الصعب جدا الكلام عن التنمية والتقدم والتطور في الوطن العربي. لقد حان الوقت لوضع استراتيجية واضحة المعالم على مستوى كل دولة عربية للحاق بركب الأمم والدول والحضارات وللمصالحة والاستفادة من عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الباحثين والعلماء والمفكرين العرب المتواجدين في المختبرات ومراكز البحوث والجامعات المعاهد العليا الأجنبية.

أستاذ الإعلام، جامعة الشارقة