«غادر رئيس حكومة إسرائيل إيهود أولمرت واشنطن إلى بلاده وهو في غاية السرور». بهذه الجملة افتتحت «نيويورك تايمز» تقريرها عن زيارة الرجل إلى العاصمة الأميركية، وهو خير تلخيص لحصيلة لقاءاته ومباحثاته مع أركان إدارة الرئيس بوش، كما مع الكونغرس الذي خصّه بتكريم خاص، حين استمع بمجلسيه، لخطابه ورحّب به بالتصفيق وقوفاً 16 مرة خلال كلمته.

وكيف يمكن لأولمرت ألا يشعر بالارتياح والانشراح وهو الذي لمع الضوء الأخضر بوجهه، في كل زاوية من زوايا واشنطن، قام بزيارتها، حمل معه إلى البيت الأبيض المشروع الذي ورثه عن معلّمه شارون والذي يريد أن يلتصق اسمه به، فلم يسمع حوله غير المديح. على الأقل لم يسمع كلمة «لا» ولو أن «نعم» الإدارة جاءت بأسلوب مموّه. فالرئيس بوش وصف مشروع «كاديما» بأنه «يمكن أن يشكِّل خطوة مهمة نحو السلام».

أشاد بـ «الأفكار الشجاعة» التي جاء بها أولمرت، تماماً كما أشاد مرة بشارون، على أنه «رجل سلام». كل ما طلبه من زائره، طبعاً بالتوافق معه، أن يعطي للمفاوضات مع الفلسطينيين فرصة! طلب حق أريد به باطل. فالمفاوضات مجوّفة مسبقاً.

شروطها التعجيزية قضت عليها قبل أن تبدأ. وهي محل تطابق بين بوش وأولمرت: ـ استبعاد حكومة حماس ـ اقتصارها على الجانب الأمني ـ عدم شمولها القضايا النهائية قبل أن تقدم السلطة الفلسطينية على تفكيك الفصائل وتجريدها من السلاح. مما يعني مواجهة عسكرية معها.

كل هذه المطالب يجب ان تتحقق قبل نهاية العام الجاري، والا فإن اولمرت أخذ من الرئيس بوش الضوء الأخضر والوعد بالموافقة على المضي بالفصل من جانب واحد؛ تحت ذريعة اسرائيل المعروفة، بأنه «لا يوجد شريك فلسطيني للسلام»!

اذن، الاخراج تمّ وضع تفاصيله والرهان الأميركي ـ الإسرائيلي باتت معالمه واضحة. فهو يقوم على واحد من اثنين: اما أن يبادر الفلسطينيون إلى الاقتتال بحيث يصلوا إلى الانهاك وبالتالي تصفية القضية، وإما أن يحتفظوا بالمناعة ضد هذا الخيار فعندئذٍ يتم وضعهم أمام الأمر الواقع «الكاديمي».

ماذا في الجعبة الفلسطينية وهي تواجه كل هذه الأضواء الحمراء وبالتحديد المتعلق منها بأوضاعها الداخلية النازفة؟

عدة أمور واضحة وضوح الشمس. أولها ان الساحة الفلسطينية في وضع مأساوي يرثى له. حالة الاقتتال المراهن إسرائيلياً عليها؛ تشق طريقها للأسف، بوعي أو بغير وعي فلسطيني. التدهور لا تزال ظروفه وأسبابه قائمة، بل متفاقمة. ثانيها أن اسرائيل توظف هذا التآكل الداخلي إلى أقصى مدى ممكن؛ سواء لجهة تسويف مشروعها الأحادي أم لجهة التمادي في الاستباحة والعدوان.

وهجوم رام الله اول من امس رسالة قوية في هذا الخصوص، وهو حلقة في سياسة المطاردة التي أكدت إسرائيل أكثر من مرة أنها تزمع مواصلتها بل تصعيدها.

ثالثها أن الوضع العربي المعروف، غير قادر على رمي حبل الدعم، ناهيك بالانقاذ، للجانب الفلسطيني. كل ذلك يقول بأن المخرج أمام الفلسطينيين، الآن، يتمثل في خيار واحد معروف: مواجهة الفصل الأحادي القادم بموقف فلسطيني ائتلافي أحادي. عداه ضياع للوقت وامعان في انتهاك الذات، وبالتالي تعزيز وتزخيم للهجمة الإسرائيلية.

وكرة هذا الخيار مرمية في حقل المؤتمر الوطني الفلسطيني المنعقد. فهل تسمو القضية على الصراعات الداخلية؟