في الأسبوع الماضي سعدنا بحديث النائبين المحترمين في البرلمان البحريني عيسى أبو الفتح وعبد النبي سلمان في مجلس النائب يوسف زينل حول أداء البرلمان بالنسبة لميزانية المملكة. ورغم الحاجة إلى المعرفة والخبرة الكافيتين التي جعلت ميزانية عامي 2003 - 2004 تمر مرور الكرام، إلا أن النواب أنجزوا لصالح الميزانية التالية (2005 - 2006) وللمجتمع ما يبعث على الفخر حقا.
كشفت المناقشات أن ما تقدمه شركة النفط «بابكو» لميزانية المملكة أقل بكثير مما يفترض. وفي النهاية تم إحلال 6,196 مليون دينار لكل من العامين محل 44 مليون فقط كانت قد رصدت في المشروع المقدم.
وحققت اللجنة وفرا في الميزانية باقتطاع 85 مليون دينار رصدها عدد من الوزارات دون مبرر. كما أقر رصد مبلغي 10 و20 مليون دولار من دخل ألمنيوم البحرين «ألبا» لميزانية العامين، بالرغم من عدم وضوح آلية حساب أرباح ألبا وحجمها حتى الآن.
واتضح أن ذات الغموض يلف المؤسسات الأخرى التي تمتلك فيها الدولة حصصا، وبأن الحاجة تدعو إلى إخضاع جميع المؤسسات المذكورة لرقابة أكثر صرامة. لقد ساعد كل ذلك على استعادة الميزانية لأكثر من نصف مليار دينار بحريني. وبين أن الميزانية هي الأهم من بين كل المهام الماثلة أمام البرلمان.
غير أن جهد النواب المشكور تركز حول موارد الميزانية وأوجه الصرف في الوزارات المعنية. بينما يجب أن يرتقي دور النواب من التدقيق والرقابة إلى الإسهام في صنع سياسة الميزانية وصياغة فلسفتها في ارتباطها بعائدات النفط والإصلاح البنيوي ومعدلات التنمية وتحديد أولوياتها والتوازنات فيما بين القطاعات الاقتصادية وبين الاستهلاك والإدخار وغير ذلك من الأمور التي بدونها تفقد كل جوانب الإصلاح الأخرى مضامينها المادية.
المكون الأساسي لموارد الميزانية هو دخل المملكة من النفط. وهذا عامل خطر لأنه سريع التغير ومعتمد على أوضاع سوق النفط العالمية. فإذا كنا قبل عام نقول أنه يمكن اعتماد سعر 35 د/ب ببعض الحذر، فإننا نستطيع الآن أن نتحدث عما فوق الأربعين دولارا بكل ثقة. وطبيعي أن عائدات النفط سمحت بزيادات في الأجور وفي الإنفاق على الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.
لكن من الواضح أيضا أن الارتفاع المضطرد في أسعار النفط في السنوات الأخيرة خلق نموا اقتصاديا ظاهريا لم يرافقه ضبط لسرعة دوران النقد مما ساعد على نمو تضخمي غير قابل للسيطرة. من جهة أخرى فإن هذه الأموال المتساقطة على منطقتنا، دون أن نصنعها، بعثت على التراخي تجاه الإصلاح الحقيقي.
عندما تكون أسعار النفط منخفضة تسلك الدول المنتجة له واحدا من الطريقين : إما الغوص في الديون ( وهذا ما نفعله حيث تبلغ خدمة ديون البحرين 75 مليون دينار عام 2005 و 85 مليون دينار عام 2006 ). أما الطريق الثاني، الذي تنتهجه دول أخرى، فهو إجراء إصلاحات جذرية تضمن لكل دينار نستثمره أداء أفضل ويحفز آليات السوق والإدارة حتى بالنسبة لقطاعات الخدمات : كيف نعلم ونعالج أفضل، ليس بحساب كميات المال فقط، بل بالإتقان. بمعنى آخر كيف نعظم أداء نفقات الميزانية. لكن هذا في الواقع يحتاج إلى سنوات طويلة.
وهكذا يبدو أن أسعار النفط المنخفضة والمرتفعة سيئة سواء. وسنظل بين ذا وذاك لأنه مهما طال مدى ارتفاعها فلا بد أنها ستتراجع يوما كما تقول دورات أسعار كل السلع الاستراتيجية.
إذن هناك حاجة لاعتماد ميزانية يلبي حجمها ومؤشراتها طموحات خطة تنموية واقعية، وفي نفس الوقت هناك حاجة لسحب الأموال الفائضة كي لا ترتد سلبا على التنمية. من أجل ذلك يجب التوجه إلى خلق ما يسمى «بصندوق الاستقرار» الذي يشمل احتياطي الأجيال القادمة، يكون قادرا على التدخل لرفد الميزانية ربما في عام قادم أو بعد سنوات.
ويجب أن تتجه الأموال إلى أو تخرج من هذا الصندوق بحكم القانون وتحت رقابة نواب الشعب، دون أن يطالها الفساد أو قرار حكومي مستقل. وبهذا المعنى فإن ما أقره البرلمان باقتطاع دولار واحد من سعر البرميل للأجيال القادمة يندرج تحت الشعار السياسي أكثر منه إجراء ذي طبيعة اقتصادية تنموية.
ومن أجل تكثير اقتصادنا فإننا بحاجة إلى المنافسة والاستثمارات، لكننا بحاجة إلى انتهاج سياسة نقدية تهيئ لذلك. فتقلبات أسعار صرف عملتنا المرتبطة بالدولار تعد كبيرة في السنوات الأخيرة ولا تشكل ضمانة لكي لا تضيع الاستثمارات في زحمة تقلباتها. إن انتهاج سعر صرف قابل للتوقع يجعل المستثمرين أكثر اطمئنانا على أوضاعهم ودقة في حساب مخاطرهم.
إن أحد مخاطر التضخم هي ضخ السيولة الفائضة لتشجيع سياسة الإقراض وتمويل مضاربات الأسهم والعقارات والتوسع في البنى التحتية بدلا من «إيداعها» صندوق الاستقرار. وهذا ما يدعو إليه غير المهتمين عادة بوضع الاقتصاد الكلي، وهذا ما انتقده بحق صندوق النقد الدولي قبل أسابيع والذي دعا إلى الحد من ذلك وتوجيه مزيد من الأموال في مشاريع الصناعات المستقبلية.
ولو صح أمر التوجهات الحالية فما كنا احتجنا أصلا إلى فوائض عائدات النفط، إذ يكفي أن نطلب من مؤسسة النقد (المصرف المركزي) طبع مزيد من الأوراق النقدية وعلى أساسها التوسع في تقديم القروض الرخيصة. نتائج الحالتين واحدة من حيث الجوهر الاقتصادي - إيجاد سيولة تسرع في معدلات نمو التضخم وكبح معدلات النمو في القطاعات التي تشكل مصادر النمو الحقيقية.
لا يجب أن ننسى أن التدفقات المالية على الاقتصاد والناجمة عن ارتفاع أسعار النفط غير الاعتيادية هي في الواقع أوراق نقدية غير مغطاة من واقع الاقتصاد الفعلي. وكثيرا ما يوجه بعض الاقتصاديين النقد لعدم المساس بجزء كبير من عائدات النفط على أنه غياب لسياسة مالية سليمة.
أما الحقيقة فإن هذا هو المطلوب لسياسة كهذه تجنب البلاد آلام تقلبات أسواق المال والعقار التي ستتطلب عاجلا أم آجلا «أكل» هذه «الفوائض» عن طريق التدخل الحكومي، كما حدث مرارا، هذا إن لم يحدث انهيار حقيقي.
هذه رميات أولية للمهام التي يجب أن تحلها ميزانية الدولة، والتي تتطلب تدخلا ودراسة مستفيضة من قبل المشرع قبل إقرارها.
كاتب بحريني