أخيراً ـ متى يكون آخراً؟ ـ مرّ يوم على غزة من غير عنف ودم. صراع الإخوة، الذي تفاقم مؤخراً وهدد بحصول كارثة فلسطينية. غاب عن الساحة. بدا وكأن هناك لحظة التقاط أنفاس. تحركات ولقاءات فرضتها خطورة الوضع، أدت إلى اتخاذ رزمة إجراءات وخطوات أمنية، ساد معها شيء من الهدنة، أو على الأقل الهدوء. وكان من الطبيعي ان يترك ذلك حالة من الارتياح. ولو المشوب بالحذر.

لكن بموازاة الترحيب هذا، وفي ضوء السوابق والخلفية و طبيعة الصراع بقيت الأسئلة تلح على الذهن: هل غياب العنف عن الساحة مؤقت؟ هل هو في إجازة أم أنه غادرها إلى غير رجعة؟ اقتصار المعالجة على الجانب الأمني يرجح كفة الارتياب. والسبب جوهري: الاحتقان الفلسطيني وتعبيراته المسلحة الخطيرة، ليس في أصله أمني بل سياسي. وإذا كان لمداواته ان تكون جذرية ومديدة، فلا بد لها من ان تستهدف الجذور وليس الإفرازات فقط.

لقد تميز أول من أمس بحركة فلسطينية مكثفة، بمساعدة ورعاية مصرية، للتعامل مع الوضع المتدهور بين «فتح» و «حماس». وكان من الواضح انها حركة استباقية، لما هو أشد وأدهى. المخاوف الحقيقية المشروعة من انفلات زمام الأمور ودفعها إلى مستنقع الاشتباك الأهلي الدموي الواسع؛ لا شك انها قد فرضت الهرولة إلى لجم سياسة تصفية الحسابات وعرض العضلات.

تهيّب المسؤولية الجسيمة، حمل الطرفين على التوصل إلى عدة تدابير؛ ألقت بظلالها الباردة على الموقف الساخن. كان أبرزها التوافق على«إعادة تشكيل وتفعيل مجلس الأمن القومي الفلسطيني». بالإضافة إلى ذلك تم الاتفاق على «تشكيل لجنة تحقيق لتقصي الحقائق ووضع حد لمظاهر التوتر»؛ مع التوكيد على «حرمة الدم الفلسطيني وإدانة جميع محاولات الاعتداء التي استهدفت أبناء شعبنا». وتزخيما لهذه الإجراءات، دعت «فتح» و «حماس» إلى «رفع الغطاء التنظيمي عن أي عنصر منهما يرتكب حادثاً من شأنه الإخلال بالأمن العام وتقديم الجناة إلى المحاكمة». كما ارتضى الطرفان على «ضرورة إنهاء جميع المظاهر المسلحة، بصورة فورية من الشارع الفلسطيني».

من الواضح تماما أن الرزمة كلها أمنية، ليس فيها إشارة إلى جانب سياسي. وكان يمكن ان تكون ناجعة وكافية لضبط وضع يشكو من تسيب ناجم عن رخاوة وشوائب أمنية بحتة، ذات طابع تقني. لكن ليس سراً ان حالة الفوضى والصدام هي انعكاس للخلافات السياسية العميقة، بين «فتح» و «حماس» ولعدم القدرة ـ والرغبة أيضاً ـ على التلاقي عند قواسم مشتركة ولو بالحد الأدنى، تفرضها ظروف المرحلة الراهنة؛ وبما يضمن تأجيل الصراع السياسي الداخلي إلى وقت لاحق.

لا يقلل من الأهمية الآنية لهذه الإجراءات، كونها أمنية فقط. كانت واجبة لوقف النزف المفتوح على انتحار. حتى ولو انها ذات طابع ترقيعي. سيما وان هناك فرصة لتحويلها إلى مدخل لترميم الوضع الفلسطيني، فاليوم يبدأ المؤتمر الوطني الفلسطيني جلساته، حسب ما هو مقرر. ولا عذر للمؤتمرين. إن هم انكفأوا عن التصدي لأسباب التصدع الحقيقية في ساحتهم. كما ان التاريخ لن يغفر لهم إن هم خرجوا من غير توافق سياسي يعزز الأمني ويكفل عدم الاندفاع نحو الهاوية المدمرة، مرة أخرى