لا تكفي العائدات المالية الضخمة من أموال النفط في طمأنة المجتمعات من المستقبل. فالأموال وحدها لا تقدم الضمانة الضرورية لمستقبل اقتصادي مستقر ومزدهر، والفائض المالي الناتج جراء ارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية لا يمكن أن يتحول إلى عامل استقرارأو داعم لبناء منظومة اقتصادية ذات بعد استراتيجي تضمن التنمية الاقتصادية اللازمة والأساسية لاستمرار التطور السياسي والمجتمعي الذي تشهده الدول، ما لم يتم توظيفه بشكل صحيح ومجد.
ولعل التحدي الأكبر والأهم للحكومات من الآن فصاعداً يتمثل في كيفية إيجاد السبل والطرق الناجعة لاستثمار الكم الضخم من الأموال الناتجة عن فارق أسعار النفط اليوم عن تلك في الأمس. إذ انه مما لا شك فيه أن الدول النفطية وحكوماتها تدرك تماماً حجم التحديات الآنية والمستقبلية في ظل وجود عاملين أساسيين، يمكن أن يكونا سبباً لخلق أزمات خطيرة وكبيرة ليس فقط على هذه الدول بل وعلى دول أكثر تقدماً وأكبر إمكانية.
العامل الأول يتمثل في استحالة توفير أية ضمانة تجاه استمرار واستقرار أسعار النفط الحالية، ولا أحد ينسى الماضي القريب عندما دفعت الدول المنتجة للنفط ثمناً باهظاً كنتيجة لانهيار أسعار النفط وانخفاضها عن العشرة دولارات للبرميل، والتي بلغت في العديد من الأحيان خمسة دولارات فقط. فضلاً عن ذلك الهاجس الناتج عن عدم الاستقرار الذي يسببه الانخفاض أو الارتفاع في الأسعار المفاجئان عادة، واللذان لا يمكن التحكم بهما أو التقليل من أضرارهما أو الحفاظ على امتيازات الارتفاع.
أما العامل الثاني فيتمثل حقيقة في خطورة عدم استثمار الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط وتوظيفها في تطوير الاقتصاديات والمجتمعات، لا سيما من خلال توفير المزيد من فرص عمل كافية ومتنوعة لتوظيف العمالة المتنامية. وهي فرص عمل في المجالات التي تخدم المجتمع وتدعم الاقتصاد وتقلل من حجم التحديات المختلفة، الأمر الذي من شأنه أن يزيد مسببات استمرار الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي.
إن تزايد الحاجة والطلب العالميين على النفط والغاز أدى إلى زيادة القدرات الحكومية في توظيف أعداد كبيرة من المواطنين وفي المحافظة على مستوى معيشي يفوق كثيراً ما يتوافر لدى الدول النفطية غير الدول العربية غير النفطية . وهذا الأمر ساهم بشكل واضح وإيجابي في خلق شرائح اجتماعية متميزة في أوساط العمالة في قطاعات النفط والغاز. وقد أدى هذا التطور إلى نمو صناعات نفطية وغازية استقطبت المزيد من العمالة المتخصصة، كما هو الأمر في مصاهر صناعات الألمنيوم.
إلا أن المخاوف من حدوث متغيرات جديدة وقد تكون أكيدة وغير سارة في المستقبل خاصة في منطقة الخليج والعالم يمكن لها أن لا تتفق في مجملها مع المنافع التي يوفرها الفائض المالي الذي أنتجته الزيادة الحالية لأسعار النفط.
وانطلاقاً من ذلك فهناك شعور قوي لدى الحكومات الخليجية في تطوير وتنويع مصادر الدخل المالي وخاصة في القطاعات الصناعية اللازمة في المنطقة. وإزاء ذلك، ليس مستغرباً أن تدرس حكومتا الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إقامة المزيد من مصاهر صناعات الألمنيوم في منطقة الطويلة في أبو ظبي وفي رأس الزور السعودية المطلة على الخليج العربي.
ومع ذلك، وبالرغم من هذه التطورات الاقتصادية الإيجابية إلا أنه هناك حاجة ملحة للبدء في بناء وتطوير الاقتصاديات الخليجية وخاصة الصناعية منها لتبديد أية مخاوف وهواجس خليجية قد تفرض نفسها في هذا المجال أو ذاك وعلى رأسها ذلك السؤال المتعلق بعدد الشبان الخليجيين الباحثين عن فرص عمل.
إن عدد الوظائف التي يمكن أن تتوافر لطالبي العمل الخليجيين ستظل أقل بكثير من عدد الخريجين الجدد الذين تفرزهم الجامعات والمعاهد سنوياً، والذين يشكل العمل هاجسهم الأول لأن في ذلك بداية لاستقرارهم المادي والاجتماعي.
في ذات الوقت، تواجه المجتمعات الخليجية تفاقم أعداد العمالة الأجنبية المتخصصة وغير المتخصصة، الأمر الذي يصعب مهمة الحكومات الخليجية في إيجاد السبل الناجعة للتعاطي مع مشكلة البطالة وتوفير فرص العمل لمواطني دول مجلس التعاون من جهة، ومن جهة أخرى تعويض الخبرات والقدرات المهنية والعلمية المتوفرة لدى هذه العمالة الأجنبية في نفس الدول.
إن من يقرأ التقارير الاقتصادية والتي تتحدث عن واقع اقتصادي جديد أكبر من ذي قبل في دول المنطقة الخليجية والعالم العربي بأسره يجزم بضرورة عدم إنكار حقيقة أن طموحات دول وحكومات وشعوب دول مجلس التعاون الخليجية أكبر بكثير مما تحقق حتى الآن، وأن لديها العديد من المشاريع التي لا تزال قيد التنفيذ، فضلاً عن الخطط المستقبلية الأخرى لتوسيع الأسواق واستقطاب المزيد من العمالة المؤهلة.
وحبذا أن يكون القطاع الصناعي، وليس فقط الخدماتي وحده، أحد أهم بنود هذه المشاريع والخطط لما يتميز من قدرات هائلة وقادرة على امتصاص العمالة وخاصة الوطنية منها ومعالجة مشاكلهم وتحقيق آمالهم في بناء مستقبل مزدهر. ولا يجب التغاضي في هذا المجال عن أهمية هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي في توفير مداخيل مادية كبيرة للدول وسد حاجيات الدول من السلع الأساسية المختلفة التي تحتاجها أسواق المنطقة وتخفيف الاعتماد على الخارج.
من أجل ذلك ولتوفير مستقبل أفضل في دول مجلس التعاون وتعزيز الأمن والاستقرار فإن وضع الخطط والاستراتيجيات لبناء اقتصاد متكامل وقوي ضروري وأساسي وهذا يتم من خلال تضافر الجهود الرسمية من قبل الحكومات وبالتعاون مع الشركات ومراكز الأبحاث والدراسات والجامعات والمنظمات غير الحكومية في المنطقة.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com