شاءوا لنا التقدم خطوة أخرى حاسمة والانتقال بالنزاع الفلسطيني الداخلي الدائر على سلطة هشة أصلا من فجوة العض على الأصابع إلى هوة كسر العظم ، وما خذلنا أعداء الشعب الفلسطيني الواقع بجميع مكوناته الجغرافية والديمغرافية تحت الاحتلال الصهيوني.

لكن أبناء النكبة والنكسة وكوارث أخرى يصعب تعدادها لكثرتها، لا يعيشون، رغم كل ما يفعلونه لأنفسهم بأنفسهم، كابوسا أسود مرعبا في ظل حالة الاقتتال الداخلي الدائرة رحاها على جزء من أرض الوطن السليب.

بل الأصح هو أنهم كانوا يعيشون حلما ورديا حملهم على الاعتقاد بأن البوتقة الوطنية تلفهم جميعا وبالتالي فإنهم ما كانوا ليتخيلون أبدا أن عملية الاصطفاف والاستقطاب في المنطقة والعالم كانت ستصل ذات يوم إلى الدرك الأسفل وإلى حد بناء تحالفات على أسس بعيدة كل البعد عن الوطنية أو القومية أو حتى الأممية.

فلقد خذلهم واقع القوى السياسية الفلسطينية، الذي تطل من وراء كواليسه أنياب التحالفات، التي يختلط تحت لوائها، ظاهريا على الأقل، الحابل بالنابل والطالح بالصالح والعدو بالصديق وفق القاعدة الذهبية للمصالح المادية البخسة ، التي تعمي العيون وتصم الآذان عن حقائق ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من مؤامرة صهيونية دولية لا تطفيء نورا قد يتجلى في آخر النفق بل تنسف النفق من جذوره.

أما الهدف ، فهو إظهار النموذج الوطني الفلسطيني بمظهر النموذج المنهار البائس الذي لا حول له ولا قوة إلا بقبول الفتات المنوي التنازل عنه في ظل القبضة الحديدية لقوات الجيش والأمن الإسرائيلية، لكن رغم أن جزءا لا بأس به من هذا الهدف قد تحقق بنجاح، إلا أن المراد لا يتوقف عند هكذا حدود.

بل يتعداها بغية تقديم هذا النموذج التاريخي فاشلا بصورة درامية ونهائية لا رجعة عنها وذلك كخطوة إضافية على الطريق المؤدي إلى اليأس الكلي من محاولة بذل أي جهد نضالي ينادي بتحرير الأرض والإنسان الفلسطينيين.

أما الهدف الثاني والذي لا يبتعد عن خانة الأول فيتجلى في محاولة لخلط الأوراق جميعا ووضعها في سلة واحدة يصعب التفريق بين عناصرها ومكوناتها بهدف تثبيت قناعة لدى الناس بعدم جدوى القيام بأي تحرك على المستوى الجمعي وبأن الحري بأفراد المجتمع أن يبحثوا كل بمفرده عن حل فردي سحري لمشاكل يتوهمون أنها فردية مع أنها ذات طبيعة جمعية بامتياز.

ما من أحد قرأ رواية الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز «قصة موت معلن» إلا وسيطرت عليه دهشة عارمة حيال التفاصيل والأحداث المرئية التي أودت بحياة ذلك الشاب العاشق نصار تحت وقع ضربات سواطير أشقاء محبوبته وعلى مرأى ومسمع جميع مكونات البلدة من حجر وشجر وبشر.

وقد لا نضيف جديدا إذا قلنا أن الشعب الفلسطيني يتعرض بدوره إلى قصة قتل معلن ،إنما جماعي هذه المرة ومنذ حوالي ستة عقود من الزمن،لكن الجديد في الأمر ، فضلا عن الاقتتال طبعا، يكمن في تكالب جميع الأطراف محلية وإقليمية ودولية على هذه المجموعة البشرية المحاصرة حتى في لقمة عيشها.

فلم يبق أحد إلا وآجر في قضم قطعة من القضية الوطنية للشعب الفلسطيني ، إلى درجة تكاد تتلاشى معها أسسها الوطنية تحت وقع ضربات الجيوش المتطورة وأجهزة الاستخبارات القادرة الدولية والمحلية منها على حد سواء، وذلك بعد أن أدركت هذه الجهات أن المدفع والطائرة لا يكفيان لشطب شعب عريق عن خارطة الكون.

مما دفع الدول الكبرى إلى تحريك دوائرها الاستخبارية، التي لعبت وتلعب دورا حاسما في تثبيت وجود الدولة العبرية في قلب الشرق الأوسط العربي، بدءا من تسهيل عمليات هجرة اليهود الجماعية إلى أرض « الميعاد» منذ نهاية القرن التاسع عشر، وصولا إلى مصادرة وحجز المساعدات المالية الخاصة بالفلسطينيين.

مرورا بمجموعة المخافر المحيطة بالكيان الصهيوني وتلك المنتشرة عبر العالم والتي تراقب أدنى حركة قد تلحق الأذى بالكيان المصطنع ، ومع نقل رئيس المخابرات الفلسطينية طارق رجب إلى إحدى المستشفيات الإسرائيلية إثر الانفجار الذي تعرض له مقره في غزة ومن ثم قيام الطائرات الإسرائيلية باغتيال أحد قادة المقاومة، الذي استشهدت معه أم وطفلها وشقيقتها وسقط عدد آخر من الجرحى الذين لم ينقل بعضهم إلى داخل الخط الأخضر رغم جراحهم البليغة، فإن المشهد الفلسطيني لا يكون قد اكتمل وحسب.

بل يكون قد فاض بالمعاني والدلالات الكافية لتوضيح عناصر السيناريو الحقيقي في الشرق الأوسط.

لكن ما كان ينقص هذا المشهد الدرامي هو موقف الرئيس الفلسطيني، الذي أدان بشدة محاولة اغتيال رجل الاستخبارات بينما أغفل كليا اغتيال المقاوم الفلسطيني ومواطنيه الأبرياء، علما بأن كل المؤشرات تؤكد على أن من قام بكلتى العمليتين جهة واحدة تدعى أجهزة الأمن الإسرائيلية لزرع مزيد من بذور الفتنة والشقاق في الصف الوطني الفلسطيني.