حرية كثيرة وديمقراطية قليلة ولو كان الأمر غير ذلك لما جرى حل مجلس الامة، ولما دعي الشعب الكويتي الى انتخابات عامة لاختيار اعضاء المجلس الجديد.

هذا الاستنتاج المتسرع مأخوذ من واقع الايام الماضية التي حفلت بالنزاعات حول الدوائر، وبخروج النقاشات الى الشارع، ومن كلام سمو الامير الذي أعلن انه اتخذ قرار الحل غصبا عنه بعد إن وجد الحرية الكثيرة تأخذ بالسياسيين نحو حرية الذم والقدح والقذف وتقلص الصفات الديمقراطية في نفوسهم وهي الصفات التي تمنع ظهور صراع الارادات, وتمنع التناحر حول المصالح الشخصية الذي يهدد الوحدة الوطنية, وينذر بالعواقب الوخيمة.

منذ بداية أزمة تعديل الدوائر, وانتهاء بصدور قرار حل مجلس الامة, تبرز امامنا تجربة تتعلق بقصور الوعي الديمقراطي لدى السياسيين, وتكييف الديمقراطية وهوامشها مع ما يناسب المصالح الضيقة ومع ما يناسب انتهاز الفرص لاداء هذه المصالح, وتحت المسمى الديمقراطي.

في سياق هذه الملاحظة تبرز كثيرا ظاهرة التصويب على الحكومة, وتعليق الاخطاء عليها, وارجاع الاسباب إليها حتى قيل لنا لو ان احدا قد طلق امرأته لقلنا ان الحق على الحكومة في هذا الطلاق وفي العادة فإن استهداف الحكومة دائما هو التعبير الدائم عن قصور الوعي السياسي العام, وعن العجز في اقامة علاقة صحبة مع الحكومة تنتج افضل الثمار للبلد ولاهله.

هذا الوضع, الذي شكل مفهوما عاما للعمل السياسي, هو المطلوب للمكافحة عن طريق اشاعة الوعي الديمقراطي, وايجاد الرجال الديمقراطيين, والغاء الانتهاز السياسي الضيق للديمقراطية...

والمهمة هذه لا تتأمن الا بالمزيد من الممارسات الديمقراطية, واضفاء الثوب الديمقراطي على الخلافات السياسية بحيث تصبح خلافات برسم المناقشة, لا خلافات برسم تأسيس العداوة, وفتح الجراح في القلوب, وخندقة المجتمع واستنفار مكوناته ضد بعضها بعضا.. بالممارسة وليس بأي شيء آخر, يمكننا التأهل والوصول بأنفسنا الى مستوى المجتمعات الديمقراطية الاصيلة.

ما شاهدناه في الاسابيع الماضية من مظاهر خلافية حول قضية الدوائر لا يعطينا صورة حقيقية عن الديمقراطية, وعن التعاون المطلوب بين السلطتين الذي كان يمكن ان يوصلنا الى خلاصات ايجابية كثيرة, كما حصل ايام اقرار الحقوق السياسية للمرأة الكويتية حيث تم تمرير القانون بالتعاون مع الاطراف المعارضة له, وتم خضوع الاقلية لرغبات الاكثرية وانتهى الامر.

ديمقراطية الالوان ليست ديمقراطية بقدر ما هي اعلان حرب فئة على فئة, وتمهيد لاحداث الانقسامات العميقة في الوحدة الوطنية. كان يمكن للبرتقالي والازرق والاخضر ان يمشي في طريق التعبير عن ارادته, ولكن من دون ان يسوق الاتهامات النابية ضد الآخر المختلف.

في الاسابيع القليلة التي تفصلنا عن يوم الانتخابات في التاسع والعشرين من الشهر المقبل, دعونا نعمل على ترسيخ الوعي الديمقراطي, وفن ادارة الخلافات بطريقة تجعلها خلافات خلاقة تحفز على الابتكار, وعلى تعزيز التعاون بين السلطتين على الاقل لتصبح الكويت وردة كما قال سمو الامير البلد فيه خير, لكنه مع الاسف كلما اراد الاقلاع تصادف وجود من يؤخره ويبقيه جامدا على الارض, بافتعال الازمات السياسية, واثارة غبار المصالح الضيقة.

الديمقراطية في جوهرها تتألف من مثاليات اخلاقية عالية, ولا تمارسها الا شعوب وصلت في ادراكها ووعيها حدا يحميها من استغلال السياسيين لها وتضليلها, والديمقراطية ايضا سلوك نراه في الثقافة وفي السلوك, ويتنافى مع سلوكيات سياسيين يجرون النار دائما الى قرصهم باسم الديمقراطية لخدمة مصالح ضيقة وعلى حساب الغير.

ليت الوعي الديمقراطي هذه المرة يحكم سلوكياتنا ويدفعنا الى انتخاب الوجوه المطلوبة التي تترجم هذا الوعي وتكثر من اعداد الديمقراطيين في هذا البلد ¯ الوردة.