نهوض العراق وخروجه من ظروفه الراهنة المفجعة، صار ـ وإلى حين ـ مرهوناً بإقلاع حكومة المالكي. «العملية السياسية» اكتملت بأركانها وهياكلها الدستورية الأساسية. ممارسة الحكم، ولو في ظل الاحتلال، باتت في أيادٍ عراقية، لأول مرة منذ الاجتياح.
هي في موقع القرار والقيادة. على الأقل في الداخل. وفي كل حال، هي محسوبة على هذا الموقع، عراقياً ودولياً، ولا تُحسد عليه. فالوضع مفجع ومفخخ بامتياز.
وتجربتها لا تحتمل الفشل. بل لا تحتمل المراوحة. فإما العبور وإما السقوط، الذي قد لا يتبعه نهوض قريب. إذا كان هناك من نهوض، فهل تقوى السلطة الجديدة على مواجهة هذا الامتحان المصيري؟
الحكومة المولودة بعملية قيصرية شاقة، مازالت غير مكتملة. أمامها مهمات فوق العادة. تحيط بها الضغوط من كل الجهات. جبال من الهموم والمتاعب تنتظرها. التحديات عاتية والظرف لا يوفر خيارات كثيرة. لكن مع ذلك تحدث أمس الأول رئيس الحكومة بلغة واعدة. أو لنقل متفائلة وعازمة.
أبرز ما قاله: إن حكومته مصممة على الخلاص من الميليشيات وسلاحها.
كما إنها عازمة أيضاً على تسلّم المهام الأمنية، في يونيو المقبل، وفي غالبية المناطق العراقية.
وفي برنامج حكومته المحتوي على 34 بنداً تعهّد الوزير الأول بالعمل على تحييد البلاد عن طريق الحرب الأهلية التي انزلقت إلى بداياتها. كلام يوحي بالثقة والحزم.
لم يسمعه العراقيون منذ أكثر من ثلاث سنوات فيه قدر من التطمين ومن تعزيز الآمال بانعطافة نوعية. ولو مع التحفّظ. أو على الأقل بانتظار ما سوف تحمله البدايات. لكن الرئيس المالكي تحدّث بلغة حاسمة.
بالتالي صارت وعوده ملزمة. ولا شيء فيها إلا من العيار غير الاعتيادي، من حيث العقبات والصعوبات التي تعترضها. بدءاً من استكمال حكومته، مروراً بالمسائل الحساسة مثل الفيدرالية وتخومها، والميليشيات وأسلحتها.
وانتهاء بتلبية القضايا الحيوية المعيشية للعراقيين. ناهيك بالترتيبات التي ينبغي التوافق عليها مع قوات الاحتلال التي يبدو أنها عازمة على التواجد والحضور في العراق وحتى إشعار آخر، بقدر ما هي مستعجلة على الانسحاب من المدن ومناطق التواجد السكاني، والمرابطة في مواقع بعيدة عنها.
الرئيس بوش قال إن القوات الباقية ستكون قوات مساندة ومساعدة! لكنها على الأرض ستكون في مقام الاحتلال. يضاف إلى ذلك، أن إنجاز هذه المهمات مطلوب قبل نهاية العام الجاري.
الأمر الذي يزيد من ثقل التحديات وصعوبة النهوض بها، فضلاً عن تحقيق التوافق العريض، إن لم يكن الإجماع، بخصوصها. فلا مساحة للتأجيل ولا للمناورة.
الأثقال تجمّعت كلها، ومطلوب النهوض بها، إذا ما كان للعبور بالعراق إلى الضفة الأخرى، أن يتم بنجاح. أو في أقله أن تسير عمليته من دون نكسات أو انهيارات، ووضعها على الطريق الصحيح الكفيل بحمايتها من العودة إلى الوراء.
وإذا كانت سرعة عطب الوضع العراقي وحكومته المركبة بشقّ النفس، لا تكفي، فإن سرعة عطب أوضاع المنطقة، المجاورة منها والبعيدة، تضيف على التأزيم خطورة أخرى تهدد القفزة الانتقالية العراقية.
ومن هنا أهمية عامل الزمن والتي لا تقل عن أهمية الحفاظ على التماسك الوطني للحكومة. كلاهما من ذهب. وخيوط تجاوز المحنة في العراق مربوطة، إلى حدّ بعيد باجتياز الامتحان فيهما.