في ظل تداخل الثقافات والحضارات لا يكون سهلا الحفاظ على الهويات الوطنية، ولهذا عملت كل الدول على إيجاد مؤسسات تعنى بهذا الجانب، وهي مؤسسات رسمية تتحمل الدولة تكاليفها، وكانت الدول المعرضة هويتها للخطر هي الأكثر حرصا على ذلك، ونحن من هذه الدول.
لا يختلف اثنان منا على أن هويتنا في خطر، فهذا السيل العرم من التطور وأفواج المتوافدين على الدولة يدعوننا إلى التحرك في الاتجاه الصحيح، وترك المنطقة الرمادية التي نقف فيها وكأننا مصدومون من تسارع الأحداث.
وفقدنا الأمل في تدارك المخاطر، وسمحنا لغزو تدريجي باجتزاء ما يميزنا ويعرفنا من بين شعوب الدنيا، خطوة تلو الأخرى نخطوها نحو إلغاء الهوية الوطنية، وفعل تلو فعل يقودنا إلى طريق لا نرغب فيها، ولكننا منجرفون نحوها لسهو أو غفلة، وحتى لا يأتي يوم نأسف فيه، علينا ان نبدأ من الآن تصحيح هذا الخلل.
وبدايتنا يجب أن تكون مع اللغة العربية، فهي أصل الهوية، هي الفخر والاعتزاز، وهي التاريخ والامتداد، وهي الدرع الواقية أولا وأخيرا، ولهذا يجب أن نرفع أيدينا في وجوه أولئك الذين يعتدون على لغتنا، بالقانون علينا أن نفرض احترام اللغة،.
وان ندير حملة تعريب عاجلة نحيي بها قرارات وأوامر كانت سارية حتى وقت قريب، فنزيل كل لوحة على محل تجاري لا يكون الاسم المكتوب عليها عربيا، بحروف عربية ومعان عربية، ثم فليكتب بأية لغة أخرى.
وكذلك إعلانات الشوارع، تبدأ عربية وتنتهي عربية، وأسماء المناطق الجديدة وأبراجها، وهذا دور البلديات التي انشغلت في التراخيص والخصخصة ونسيت أنها تحمل مسؤولية عظمى تجاه الوطن وأبنائه في حاضرهم ومستقبلهم.
ولنرفع أيضاً البطاقة الحمراء في وجه كل مسؤول قرر بخلاف اتجاه الدولة أن يجعل اللغة الأجنبية هي لغة المؤسسة التي يديرها، وحتى تصله رسالة واضحة بأن ما تعلمه في الخارج هو رصيد له ولوطنه ولكنه لا يعطيه حق الاعتداء على لغته وهويته، ويمنع إلقاء الكلمات بلغة غير العربية لهؤلاء في المؤتمرات والندوات.
وسماعات الترجمة موجودة للأجانب حتى ولو كانوا أكثرية الحضور، ومن بعدهم يأتي دور المراسلات الرسمية للمؤسسات الوطنية، فلم يعد هناك غير الوزارات والدوائر تتخاطب بلغتنا، أما البقية فهي انجليزية المسلك والهوية والأسلوب، وهذا شيء يحزن بحق، وهذه عدة رسائل أمامي مصدرها غرفة التجارة والصناعة بأبوظبي، إنها غرفتنا، ومن يعمل فيها «منا وفينا» .
وهي مرسلة إلى من يعرفون انه أيضا «منهم وفيهم» ومع ذلك هي مكتوبة بالكامل باللغة الانجليزية، ولا تحمل حرفا عربيا غير الاسم الذي هو لزوم الشعار برسمته وأوصافة.
اللغة ركيزة الهوية إن لم نحترمها نحن لن يحترمها الأجانب الذين يعيشون بيننا، وهي لا تضر إن تسيدت معاملاتنا ومراسلاتنا وواجهات محلاتنا، ولكننا سنتضرر إن استمرت حملة الاعتداء عليها وسلخها عنّا.