الحكومة العراقية الجديدة ستبقى كياناً سلطوياً شكلياً طالما أنها لا تملك في يدها أدوات السيادة الوطنية للبلاد. ولا تستطيع استرداد السيادة طالما بقي العراق تحت الاحتلال الأجنبي.

وعليه فإن الحكومة ستجد أنها مضطرة عند كل منحنى حاسم للجوء الى السفير الأميركي زلماي خليل زاد، الحاكم الحقيقي للعراق الذي يدير بعثة دبلوماسية في بغداد يتكون طاقمها من ألف دبلوماسي أميركي على الأقل.

الاحتلال الأميركي للعراق ليس مجرد وجود عسكري، فخلال السنوات الثلاث الأخيرة امتدت السيطرة الأميركية إلى كافة قطاعات ومؤسسات الدولة من إدارة الاقتصاد الى إدارة السجون، وفي كل وزارة أو دائرة حكومية يوجد «مستشار» أميركي مسؤول رأساً أمام السفير زاد، ويمارس صلاحيات فوق سلطة الوزير المختص.

كما هو معلوم فإن النفط الخام يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني العراقي. لكن صناعة النفط العراقية باتت خاضعة لهيئة أميركية هي التي تدير الصناعات النفطية إلى الأسواق العالمية وتتلقى عائداتها المالية وتتحكم في أوجه صرف هذه العائدات.

وهكذا نعرف لماذا انحدر العراق اقتصادياًالى مستوى البلدان الإفريقية المتخلفة، بينما يعتبر الدولة الثالثة في العالم من حيث تملك الاحتياطيات النفطية الثابتة وفي مقدمة منتجي «أوبك» من حيث معدل الصادرات النفطية اليومية.

ونعرف أيضاً لماذا أصبحت هذه الدولة النفطية عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الطاقة الكهربائية، ونعرف لماذا أصبح معدل الوفيات بين العراقيين بسبب سوء التغذية والجوع مماثلاً لمعدل الوفيات بسبب القتل الجماعي. ومثل سابقاتها لن تعرف الحكومة العراقية الجديدة كم تبلغ العائدات المالية اليومية لصادرات النفط الخام، واذا عرفت فإنه لن يكون متاحاً لها التحكم في هذه العائدات.

خلال الشهور الأولى للاحتلال الأميركي كانت وزارة الدفاع الأميركية تنفق على قواتها الاحتلالية من الخزينة الحكومية الأميركية وفقاً للاعتمادات المالية التي يجيزها الكونغرس من حين لآخر. الآن يجري الصرف على الاحتلال من أموال النفط العراقي.

أكثر من ذلك فإن الأموال العراقية تصرف أيضاً لشركات أميركية باسم «إعادة الإعمار». وهنا نصادف أكبر لعبة للاحتيال المالي عرفها التاريخ.. فوزارة رامسفيلد تبرم تعاقداً مع شركة أميركية ما لبناء مدارس في المدن العراقية مثلاً.

وعند نهاية المطاف تقبض الشركة استحقاقاتها من الأموال العراقية وقد أنجزت بناء مدرستين فقط من بين مئة مدرسة منصوص عليها في العقد. وبالطبع يقبض جنرالات وزارة الدفاع أيضاً نصيبهم كمكافأة للسكوت على هذا الاحتيال.

ما هو إذن الدور المطلوب أميركياً من حكومة عراقية شكلية؟

مطلوب منها أمران:

أولاً: ان تكون واجهة «وطنية» تمنح غطاء شرعياً للعمليات الأمنية الأميركية ومداهماتها في المدن.

ثانيا: ان تعطي شرعية أخرى للوجود الاحتلالي اللانهائي بما يمكن الإدارة الأميركية من القول للشعب الأميركي وللعالم ان بقاء القوات الأميركية في العراق هو من قبيل التجاوب مع «دعوة» من حكومة عراقية منتخبة.