شهدت الأيام القليلة الماضية حلقات مسلسل من الدروس البليغة التي تحمل في طياتها ما يبدد أوهاما عششت في الخطاب التحليلي العربي وبدت من كثرة تكرارها ثوابت نرى من خلالها العالم وعليها نؤسس سياساتنا ونبني توقعاتنا.

والدرس الثاني في مسلسل هذه الدروس جاء من موسكو في حلقات متتالية بدأت بخطاب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين رآه كثيرون عودة لحالة الحرب الباردة مكتفين بنص الخطاب دون عرض «الكلام» على معطيات الواقع لتؤكده أو تنفيه، ربما لأنه صادف هوى في النفوس، وقد جاء رد الفعل الأميركي والتوضيح الرسمي الروسي ليؤكد أن عجلة التاريخ لن تعود إلى الوراء وأن العالم الذي كنا نعرفه تهاوت أعمدته وانهار سقفه.

في هجاء «الذئب»

البداية كانت خطابا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصف فيه الولايات المتحدة بالذئب وبدا بوتين مصمماً على استعادة موقع روسيا كـ «قوة عظمى» في مواجهة الولايات المتحدة التي اتهمها ببناء «حصن» عسكري من خلال موازنتها العسكرية التي تفوق مثيلتها الروسية 25 ضعفاً.

وغمز بوتين الولايات المتحدة بلهجة حادة غير مألوفة منذ انهيار الستار الحديدي، إذ قال: «بعضهم ما زالوا يعيشون في زمن الحرب الباردة، ويسعون إلى تعزيز نفوذهم في المناطق التي يرون أننا ضعفاء فيها... على روسيا أن تكون مستعدة لذلك».

واستعار عبارة روسية مأثورة مفادها أن «الذئب يعرف من يأكل»، ليقول عن أميركا من دون تسميتها، إنها «الرفيق الذئب» الذي «يأكل ولا يستمع إلى أحد». واتهمها بتناسي كلامها على الدفاع عن حقوق الإنسان والديموقراطية عندما يتعلق الأمر بـ «مصالحها الخاصة».

واعتبر بوتين الذي كان يتحدث أمام البرلمان «من السابق لأوانه الحديث عن نهاية سباق التسلح» الذي وصفه بأنه «دخل مرحلة جديدة أكثر خطورة» و«مستوى تكنولوجيا جديدا» لكنه شدد على أن بلاده «لن تكرر أخطاء الاتحاد السوفييتي» الذي وجه قسماً كبيراً من طاقاته نحو التسلح، «متجاهلاً الأوضاع المعيشية للمواطنين». وأكد أن العقيدة الروسية تستند الآن إلى مواجهة الأخطار الخارجية ومواصلة البناء الداخلي وتحسين الأوضاع المعيشية للروس.

وإذا كان هذا درسا من دروس انهيار الاتحاد السوفييتي فإن الكثير مما قيل ويقال عن مؤامرة غربية تورط فيها الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف يسقط بالضربة القاضية وكذلك الدفاع المستميت عن إفقار الشعوب العربية على النحو الذي حذرت منه تقارير عديدة لعل أشهرها تقرير التنمية الإنسانية العربية الذي أصبح صدوره سنويا محاكمة قاسية للسياسات التنموية العربية.

وهو في المقام الأول تحذير من أن دولا عربية ما زالت ترفض إعطاء الأولوية لمستوى معيشة المواطن العربي أو حتى إقامة توازن بين الإنفاق على القوة العسكرية والأجهزة الأمنية وبين ما يحصل عليه مواطنوها من الدخل القومي.

الدرس الثاني في خطاب بوتين يتصل بحقيقة وزن روسيا على الساحة الدولية وهو ما دأب البعض على اختصاره في امتلاكها حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن فالدولة التي يراهن كثيرون على أنها قادرة على موازنة نفوذ الولايات المتحدة ما زالت منذ العام 1993 تحاول الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ويمنعها منه «فيتو» أميركي!

روسيا المثقلة بالهموم

وفي مقابل صورة نمطية لروسيا يجتهد لتكريسها الخطاب التحليلي العربي بوصفها في طريق الصعود كقطب دولي يتحدث الرئيس بوتين عن روسيا المثقلة بالهموم كما أنه لا يفسر التمدد الأميركي بأنه نتيجة مشاريع الهيمنة وحدها بل يقر للأميركيين بأنهم أكفأ مستشهدا بمثل روسي يقول:

«الرفيق الذئب يعرف ما يأكله» مضيفا: «كل يا صديقي ولا تلتفت إلى أحد». وفي حين شدد بوتين على أهمية تحديث القوات المسلحة في بلاده، ذكر أن ما تنفقه روسيا على الدفاع يقل بنحو مرتين عما تنفقه دول نووية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا، فيما تبدو المقاربة بعيدة مع الولايات المتحدة التي تزيد ميزانيتها العسكرية عن ميزانية روسيا بنحو 25 مرة.

وهنا تظهر مرة أخرى أهمية الكفاءة الاقتصادية لمؤهل رئيس من مؤهلات القوة، فلولا قوة الاقتصاد الأميركي لما استطاعت الولايات المتحدة أن تتحمل هذا الإنفاق العسكري الضخم. والأرجح أن روسيا وغيرها لديها الرغبة نفسها في الهيمنة لكن الإرادة وحدها لا تصنع القدرة.

ومن الهموم التي يجدر الالتفات إليها في خطاب بوتين الهم الديموجرافي فمنذ سنوات تعاني روسيا مشكلة سكانية تتمثل في قلة النسل على نحو يهدد بتخلخل التوزيع السكاني في البلاد بل بتهديد الأمن القومي نفسه.

وإذا نظرنا لصورتنا في هذه المرآة لأدركنا قدر الأهمية التي يمثلها كون العالم العربي من الديموجرافيا «شابا», فالنسبة الأكبر من السكان فيه دون الأربعين بنسب متفاوتة والزيادة السكانية فيه التي يراه بعض صناع القرار عبئا هي في الحقيقة ثروة مهدرة تبرر توجيه أصابع الاتهام للحكومات التي فشلت في استثمارها.

فقد خصص بوتين جزءا معتبرا من خطابه لحث مواطنيه على زيادة معدل المواليد، بهدف مواجهة انخفاض عدد السكان بنحو 700 ألف نسمة سنوياً. ولمواجهة ما سماه «الكارثة القومية الديموغرافية» دعا إلى تطبيق إجراءات رعاية ورفاه جديدة.

وخلافا لما كان سائدا في الاتحاد السوفييتي لم يعد مجديا تجميل صورة الأوضاع الاقتصادية وإخفاء الحقائق عن الداخل والخارج وقد كان بوتين يخطط لمعدلات نمو اقتصادي معينة.

ولم يجد بدا من الاعتراف بأن مخططه لم يعد محتملا، فقد أقر بأن هدفه الأساسي بمضاعفة الناتج المحلي الإجمالي خلال عقد أصبح بعيد الاحتمال حالياً، وذلك نتيجة عدم بلوغ النمو للمستوى المطلوب في العامين الماضيين.

والتركيز الواضح على الكفاءة الاقتصادية والتحول من التكتم إلى الشفافية درس لم تستوعبه بعض الأقطار العربية فلم تزل غارقة في تمجيد «الإنجاز» الاقتصادي الكبير وتؤكد لشعوبها - طبعا بعد إخفاء الحقائق - أن العالم كله يشيد بتجربتها الاقتصادية عوضا عن الانحياز لخيار الشفافية والمصارحة.

وقد كان الرئيس الروسي بوريس يلتسين يعد مواطنيه بأن يرتفع دخل المواطن الروسي ليساوي دخل المواطن في بوتسوانا هذه الدولة الأفريقية الصغيرة التي حققت بالرأسمالية والديموقراطية إنجازا كبيرا بينما غير قليل من خطابنا التحليلي العربي يؤكد أن روسيا ما زالت قوة عظمى وأن التجربة الاشتراكية فيها لم تفشل بل تعرضت لمؤامرة تخريبية من الداخل بالمخالفة لما يقوله أصحاب التجربة أنفسهم.

كاتب مصري