في الخامس عشر من الشهر الجاري مرت الذكرى الثامنة والخمسون على نكبة الأمة العربية باغتصاب فلسطين، في وقت تبدو فيه القضية الفلسطينية أشد ما تكون التباساً نظراً للأوضاع الإقليمية والدولية، وتظل العلاقة بين الواقع والمثال تحكم المعادلة في الرؤية إلى هذه القضية الملتبسة عند كل من له صلة بها وطنياً وقومياً وإسلامياً ودولياً.

فعلى الصعيد الوطني كأني أنظر إلى أصحاب القضية وهم يتأملون واقعهم وما آلوا إليه حين يتذكرون أن المدخل إلى قضيتهم كان عربياً، فالجيوش العربية دخلت فلسطين بقرار من الجامعة العربية، على غير رغبتهم فقد كان طلبهم كما تروي الوثائق الشفوية والمكتوبة أن أمدونا بالسلاح لندافع عن أنفسنا وعلى أرضنا.

ولكن الرؤية العربية كانت ترى أن الخطر أكبر من أن يتصدى له أصحاب فلسطين، ومع ذلك فقد كانت النخوة أضيق من أن تتسع للاستجابة إلى التحدي الكبير، وكان ما كان من عار الهزيمة المقيم، ثم تدخل العرب مرة أخرى في عام هزيمة حزيران وكانت النكسة المدوية.

لقد ألقت النكبة بظلالها القاتمة على الأمة كلها وأصابتها بحالة من العجز أمام التحديات الكبرى التي تقف في وجهها، وجعلت كل تقدمها وإنجازاتها ممتزجة بهذا الألم الخفي أو الظاهر الذي يغوص في أعماق الناس جميعاً ويكدر عليهم صفو حياتهم أينما وجدوا لأنهم يستذكرون أنهم أمام تحدي الوجود غير قادرين على ممارسة دورهم على النحو المطلوب.

لا أستغرب حين أجد الناس غير مقتنعين بالحلول المطروحة ومعظمها وهمية، حين يسأل الإنسان نفسه هل يمكن أن يضيع حق بالتقادم، وأمم كثيرة تسلب حقوقها من عشرات السنين ولكنها في أشد أيامها حلكة تظل تحتفظ بحقها ولا تفرط فيه مهما تكن ظروفها ومواقفها من الضعف أو القوة؟

ولا يستطيع أحد مهما يؤتى من براعة الحجة وقوة البيان أن يقنعنا بأن الإنسان يجب أن يتخلى عن حقه بالشعار والفعل تحت أية حجة قانونية أو سياسية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يجب عليه ألا يزل لسانه بالمطالبة بأي حق أو التطرق إلى أي قانون ظالم سلبه حقه وأرضه وكرامته وذاكرته، بل عليه أن ينسى عرقه وجنسه لئلا يصبح وهو السامي ضد السامية.

ولعل العربي أينما كان يكاد يداخله اليأس من الحديث عن أي تقدم باتجاه قضية فلسطين، وهو يرى الكوارث التي تحيق بالأمة فيرى أقطاراً عربية تحترب، وشعوباً تتمزق وتتشظى، وأدهى من ذلك وأمرّ ما تقف عليه فلسطين نفسها من وشك احتراب والاحتلال يجثم على صدرها وقوى الشر تحيط بها من كل جانب.

والإخوة الذين هبوا لنجدتها قبل النكبة والهزيمة يهزون رؤوسهم وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأنهم في شغل ذاهلين عما يتهدد هذا الشعب وهذه القضية من أخطار لا يعلم مداها إلا الله.

إن القضية الفلسطينية قضية العرب والمسلمين في المقام الأول، ليس لأن الشعب الفلسطيني عربي ومسلم وحسب، وإنما لأن القضية الفلسطينية هي بوابة التحدي والخطر المؤذن بعواقب خطيرة لا تدع أي عربي آمناً في قطر من الأقطار، فالذي يتصور أنه بمأمن مهما تنأى به الديار في غفلة حقيقية. لقد كان لنكبة فلسطين تداعيات سياسية واجتماعية وفكرية وثقافية.

وهذه التداعيات لن تتوقف؛ فضمور القضية الفلسطينية يعني ضمور القوة العربية والطموح العربي معاً ويعني تمدد الخطر الإسرائيلي الذي لن يرضى بالندّيّة والعيش المشترك، بل يسعى إلى فرض السيادة والهيمنة وجعل المنطقة برمتها منطقة نفوذ له.

وقضية فلسطين هي البارومتر الذي يقيس قدرة الأمة على مواجهة التحديات أو بقائها مشلولة غير قادرة على مواجهة قدرها، مقاديرها بأيدي غيرها وهي في حالة خدر وغيبوبة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

إن المتأمل في واقع هذه القضية تصدمه حالة العجز التي تتمثل في استجابات ضعيفة على الصعيدين الوطني والقومي، فأبسط ما يتطلبه الموقف الوطني هو تحديد الأولويات وتحديد اليومي والاستراتيجي ومعرفة العلاقة بين الفلسطينيين في الشتات والمهجر والعلاقة بين الوطن الأم في صورته التاريخية والصورة التي سموها واقعية.

وهل الرأي رأي سكان المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية وهم الذين يكتوون بنار الواقع الصعب الذي يكاد يشبه الجحيم،؟ أم رأي الشعب الفلسطيني كله الذي يكتوي معظمه بلا شك بنيران الغربة وبنار عدم الاعتراف الذي يكاد يبلغ في قسوته حد الجحيم؟

إن حل القضية الفلسطينية لا يمكن أن يتم بالتنكر لجوهر القضية وكيف تطورت ولا يمكن أن يتم من دون البحث العلمي عن الحقائق التاريخية والحضارية والسياسية والديموغرافية بعيداً عن الالتفاف حول هذه الحقائق والاكتفاء بترديد عبارة براغماتية تفرض وجودها على معطيات التاريخ والجغرافيا .

وهي أن التاريخ يكتبه المنتصرون، لا بد من معرفة تطورات تاريخ القضية الفلسطينية، لماذا حدث ما حدث وما الأسس التي قامت عليها الإيديولوجية الصهيونية؟

وما الموقف العالمي الأخلاقي من عناصرها على ضوء التطورات العالمية؟ وكيف يرى اليهود في فلسطين أنفسهم بين قرابة ثلاثمئة مليون عربي يعرفون حقيقة المعادلة؟

يعرفون أن العرب والمسلمين لم يظلموا اليهود يوماً، بل كانوا يتمتعون بالحرية والرفاه، وكانوا في بعض الأحيان وفي بعض الدول على خزائن الأرض في عالم العرب والمسلمين، وحين اضطهد العرب والمسلمون في الأندلس اضطهد اليهود معهم، وإنها لمن عجائب التاريخ أن يحاول الذين اضطهدوهم على شتى الصعد مذهبياً وعرقياً أن يشفقوا عليهم .

ويمكنوهم بما استطاعوا من السلاح والعلم والتكنولوجيا ليبيدوا شعباً آمناً في وطنه يعد من أكثر الشعوب في ديار العرب والمسلمين وربما العالم دينامية وحركة وثقافة وتعليماً يبني حيثما وجد دون أن يعترف له العالم بحق في الوجود على أرضه التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

فإلى متى يظل هذا النفاق في العالم يصك سمعه عن مشكلة هي المولدة الأولى لكل صور عدم الاستقرار في المنطقة وفي العالم كله؟

والذي يتصور عكس ذلك مخطئ كل الخطأ أشبه بالذي يدفن رأسه في الرمال ولا يرى ما يجري فوق الأرض ولا يستطيع أن يتنبأ بالحركات الجوفية التي تمور بصخب في باطن الأرض.

فإلى متى يظل ملف هذه القضية بعيداً عن أيدي العدالة في العالم؟ فهل تعود الذكرى في العام القادم والناس في داخل الوطن الفلسطيني وخارجه قد قرأوا ملف القضية قراءة جديدة وبدأت ملامح التغير تأخذنا إلى أفق جديد جديد؟

جامعة الإمارات