يقوم التعاون الاقتصادي العماني الباكستاني على أسس راسخة من الوعي بقيمة التواصل التاريخي والحضاري بين البلدين، مثلما يقوم على إدراك قيادتي البلدين لطبيعة العلاقات المتميزة والفهم المشترك لحاجات شعبي البلدين ، فالسلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه ـ يقيم علاقات بلادنا مع الدول الشقيقة والصديقة على عنصر التراحم والتكافل الى جانب عناصر التكامل الاقتصادي.

هذا النموذج الرائع في فهم طبيعة حاجات الشعوب يوفر ارضية صلبة للمشروعات التي يتم اقامتها بتعاون عماني باكستاني يلمس الحاجات الملحة ويسارع الى استيفائها، ونحن اليوم أمام خطوة من خطوات ذلك النهج الرشيد في العلاقات وهو افتتاح (البنك المالي العماني الباكستاني للمشروعات الصغيرة).

والبنك كما هو واضح من مسماه يحدد رسالته الاساسية ألا وهي دعم المشروعات الصغيرة وذوي الدخل المحدود ومن ثم محاربة الفقر وتنمية قطاع الاستثمار في وقت واحد ، وأيضا تحسين نفقات الاسرة والارتقاء بمستوى اداء المرأة الباكستانية كما المح الرئيس الباكستاني برويز مشرف خلال الاحتفال بافتتاح البنك امس وبحضور معالي احمد بن عبدالنبي مكي وزير الاقتصاد الوطني نائب رئيس مجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة ومعالي مقبول بن علي سلطان وزير التجارة والصناعة.

أما نقطة البدء لهذا الانجاز الكبير في العلاقات العمانية الباكستانية فكانت زيارة جلالته الى جمهورية باكستان الاسلامية عام 2001 والتي تم خلالها الاعلان عن تأسيس وانشاء الشركة العمانية الباكستانية للاستثمار التي قامت بدورها في تأسيس البنك برأسمال مشترك بين حكومة السلطنة والحكومة الباكستانية.

معالي وزير الاقتصاد الوطني زاد الصورة وضوحا في كلمته بالمناسبة ذاتها، مؤكدا ان البنك يعمل على إحداث تطور ملموس في المناطق الباكستانية البعيدة، وستكون له انعكاسات ايجابية على الصحة والبيئة في المناطق التي سيرعى ويمول الانشطة فيها.

حقيقة الامر ان هذا الانجاز يشكل على الصعيد العالمي خطوة عملية فاعلة على طريق تحويل النداءات الدولية من خلال المؤتمرات الرامية الى علاج المشكلات الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، إلى واقع ملموس فالمؤتمرات الدولية المتوالية تضع على رأس جدول اعمالها مناقشة ووضع آليات حلول لمشكلات الفقر والتصحر وتردي الاوضاع الصحية والاجتماعية لملايين البشر في العالم.

إلا إنه من النادر ان تجد هذه التوصيات طريقها الى التطبيق العملي في معظم البلدان وبخاصة شعوب العالم الثالث نظرا لقصور التمويل، لكن حينما تجتمع النوايا الحسنة وصدق التوجه والقناعة بأن مفهوم التكامل والتنمية الاقتصادية لا تؤتي أكلها الا بتضافر جهود المخلصين ، حينئذ فقط تبدأ معالم الانجازات في الوضوح مثلما هو الشأن مع نموذج البنك المالي العماني الباكستاني للمشروعات الصغيرة الذي افتتح امس في كراتشي.

وأما البعد السياسي لهذا الانجاز فيتمثل في ان الحديث عن الاصلاح عبر منتديات سياسية الطابع لابد وان تبدأ بخطوة اقتصادية تضع يدها على لب القضية ومكمن الداء، فمحاربة الفقر، ودعم المشروعات الاقتصادية الصغيرة هو أول الخطوات نحو الاصلاح الشامل خاصة اذا كانت الدولة المعنية تعاني من حالة زيادة كبيرة في عدد السكان مع محدودية في الموارد الأولية ، التي لا تسمح بمعالجة ذاتية للأزمات الاقتصادية.

ولأن سياسة السلطنة تقوم على تفهم عالمية المشكلة الاقتصادية، لذلك فالأمل قائم في ان يكون نشاط ومشروعات الشركة العمانية الباكستانية للاستثمار نموذجا يحتذى به على مستوى العالم كله حتى يواجه العالم شمولية المشكلة بشمولية الحلول. ومتابعة خطوات التنفيذ بدقة.