السياسات والمواقف والاستراتيجيات الدولية التي تفصح عنها الأحداث اليومية، تمتلئ في هذه المرحلة من مراحل التاريخ ـ الذي لا يعلم أحد كم بقي منه إلى يوم القيامة ـ بزخم مثير للدهشة من المفارقات أو قل إن شئت المتناقضات.

وهي مفارقات تثير لديك الضحك حينا، والحزن حينا آخر، والعجب العجاب بالطبع في كل الأحيان، وأحيانا ـ ولاسيما إن كنت عربيا ـ فإنها قد تجبرك على شق ثوبك غيظاً.

أولى هذه المفارقات: الإرهاب، إذ كما أن سكان كوكب الأرض بأسره ـ عدا فئة قليلة ـ على يقين من أن أفلام هوليوود وبرامج مايكروسوفت وأطعمة مكدونالد الفاسدة هي صناعة أميركية 100%، فإنهم اليوم يوقنون عين اليقين أن الإرهاب ومعه ما يسمى بتنظيم القاعدة هو أيضا صنيعة المخابرات الأميركية 100%.

وأن أحداث سبتمبر ومدريد ولندن وبالي وشرم الشيخ، وكل الأحداث التي على شاكلتها، مما حدث ومما سيحدث لاحقاً هو صنيعة أميركية، أما الإسلام والمسلمون الذين لا يتقنون حتى فن الدفاع عن أنفسهم فلا ناقة لهم فيها ولا بعير، حتى أن الكتب والدراسات والبحوث التي تناولت هذا الموضوع في أميركا وأوروبا هي أكثر من أن تحصى. والمفارقة هنا تكمن في وسائل الإعلام (البلهاء أو ربما المكرهة) ورجال السياسة الذين تشربوا الأكذوبة إلى النخاع.

ومن ثم تجدهم لا يفتأون يهزأون بعقولنا ـ نحن معاشر سكان كوكب الأرض ـ ويمارسون معنا دون حياء ولا ملل اجترار الكلام عن الإرهاب والإرهابيين كلما جد جديد لأي حركة مقاومة أو حركة منشقة أو حزب معارض (وعندما يكون عربيا أو إسلاميا فإنهم يجدون في ذلك ضالتهم ليكيلوا الكيل أضعافا مضاعفة).

والعالم يعرف جيدا أن وجود هذه الحركات قديم قدم التاريخ ورغم ذلك لم يصنف أعمالها على أنها إرهابية، لأن الإرهاب لا يكون إرهابا إلا عندما تمارسه السلطة الرسمية ضد المدنيين من رعاياها أو ضد أعدائها وليس العكس.

وأن يكون على سبيل استعراض القوة لا على سبيل الفعل، لأنه مجرد تأثير نفسي يلقى في روع الخصم قبل الإقدام على ارتكاب الجريمة أو التخريب أو ممارسة العنف، فإذا تطور الفعل إلى أبعد من ذلك فإنه يكون جريمة أو تخريبا أو تعذيبا، لا إرهاباً.

المفارقة الثانية: أسلحة الدمار الشامل، التي من أجلها عبرت أميركا المحيطات والقفار وسلاسل الجبال، وانقضت على بلد يترنح من الجوع والضنك انقضاضة الذئب المسعور على ديك عجوز، وبعدما تمكن من إقناع كل سكان الغابة بأن هذا الديك كان يخطط ويبيت النية لافتراسه!

والديك ليس له من الحول والقوة إلا ريشه المنتفش وصياحه الذي بالكاد يوقظ النيام، فأبادت أميركا أخضره ويابسه، وسرقت نفطه وحضارته، ومزقته عرباً وكرداً وسنة وشيعة، ما بال أميركا اليوم ـ ونحن لا نعطيها حق الوصاية على العالم ـ تغض سمعها وبصرها عن الدول الأخرى التي تطور أسلحة للدمار الشامل وعلى رأسها إسرائيل؟

بل ما بال بالها هي وذيلها دول الاتحاد الأوروبي أصبح طويلا وتحلت بكل مخزونها من الحلم والكياسة وسعة الصدر والالتزام بالمواثيق الدولية وهي تقف أمام البرنامج النووي الإيراني؟

فتارة مفاوضات، وتارة حلول سياسية، وتارة موافقة على الجزء المتعلق بالاستخدامات السلمية من البرنامج، وتارة ـ وهذا من شر البلية ـ تدخل على الخط دول عربية لترفض أو تحذر من مغبة استخدام الحل العسكري مع إيران، بينما كانت عشية استخدام الحل العسكري مع العراق تقدم لأميركا كل وسائل الدعم الإمدادي (اللوجستي) من أجل إشعال فتيل الحرب.

المفارقة الثالثة: أسعار النفط، قبيل أحداث سبتمبر كان برميل النفط يلهث من أجل الوصول إلى حافة ال15 دولارا أميركيا فكان دونه خرط القتاد، يومها لم تكن القبضة الأميركية قد وجدت طريقها إلى خناق أكثر منابع النفط، أما الآن ورغم أن الإرهاب المزعوم قد وضع أوزاره.

وتوارت رموزه إلا من خطب مسجلة أكل عليها الدهر وشرب، فإن أسعار النفط التي ذاقت عسيلة ال75 دولارا قد انفتحت شهيتها لما هو أكثر من ذلك، والمفارقة هنا تكمن في أن الأسعار كانت منخفضة عندما كان النفط تحت سيطرة منتجيه الذين لا يستخدمون سوى 1% منه كوقود لسياراتهم، فلماذا ارتفعت هذا الارتفاع الجنوني والنفط تحت سيطرة دولة من دول النادي الصناعي؟

ولماذا تعلو أسعاره وتهبط في صالات المقامرة على النفط أو ما يسمى ببورصات النفط، وعلى مدار اليوم دونما سبب يذكر، بينما معظم منتجيه يغطون في سبات عميق، وعندما يستفيقون يجدونه وقد ارتفع بقدرة قادر، والأدهى من ذلك أنهم لا يملكون بيعه بأقل مما يتفق عليه المقامرون؟ ربما لأن الأصابع الأميركية ماضية قدما الآن في تنفيذ مخططها لتضييق الخناق على منافسيها المحتملين على قيادة العالم.

المفارقة الرابعة: الحق الفلسطيني والباطل الإسرائيلي، تشبه صورتهما مشهد الذئب والديك العجوز ولكن بشكل مختلف، فالذئب الذي يلوث في أحشاء الديك، والذي تلطخ دماء الديك رأسه ويديه، هو الذي يصرخ بملء فكيه مستجديا المارة كي يحموه من شرور ذلك الديك.

وأن يجبروه على إعطائه كل الضمانات والعهود والمواثيق التي تلزمه بعدم مقاومة الذئب إذا هجم عليه ليأكله، بينما الديك الذي يلفظ أنفاسه يترنح مذهولا، لا من جراحه النازفة بل من موقف المارة الأغبياء الذين يوبخونه على كونه يشكل تهديدا للذئب المسكين، برفضه إعطاءه الضمانات والعهود التي يطلبها. أليس هذا حال الإسرائيليين والفلسطينيين؟ فإسرائيل التي تحظى باعتراف دول العالم ومنظماته الدولية.

وتطوقها اتفاقيات مع القوة العظمى في العالم للسهر على أمنها وحمايتها من عدوان جيرانها عليها وإبقائها متفوقة عليهم عسكريا واقتصاديا، رغم أنها تملك واحدة من أعتى ترسانات أسلحة الدمار الشامل.. إسرائيل هذه تريد حزبا منبوذا كحماس ومصنفا على أنه إرهابي .

ولا يملك من المال ما يدفع به مرتبات موظفيه أو من الخبز ما يسد به رمق الأطفال، أن يعلن اعترافه بها، وحكومات دول العالم مع ما تراه من حال الفلسطينيين تقف إلى جانبها مؤيدة، وكأنها عصابة واحدة تأتمر بأمر الذئب الإسرائيلي الذي يشترك مع الذئب الأميركي في الكثير من القواسم.

المفارقة الخامسة: الحرب والسلام، قناعان تضعهما كل دولة بحسب مواقفها السياسية من الآخرين، والمفارقة أن الدول المتقدمة وهي تلتهم حقوق الدول الضعيفة أو سيادتها أو حين تتدخل بلا مواربة في شؤونها الداخلية وبغير مسوغ مشروع، فإنها لا تجد مهدئات أو مخدرات أسرع مفعولا من كلمة السلام.

ومبدأ نبذ العنف وحل المشكلات بالطرق الودية، وتتخذ من هذه الكلمة علكة تلوكها وسائل إعلامها بالليل والنهار، وفي المقابل نجدها وعلى رأسها أميركا (التي يعادل إنفاقها على التسلح مجموع ما ينفقه العالم بأجمعه) تكدس في ترساناتها كل يوم مزيدا من السلاح.

ومزيدا من أدوات الحروب والقتل والتدمير والإبادة وانتهاك حقوق الآخرين، وعندما تستشعر أدنى خطر يمس مصالحها فإن نغمة السلام تتبخر فجأة من أقوالها، فتقرع طبول الحرب، وتستعرض العضلات، وتتحول الحمائم الودودة إلى تنانين وأغوال تنفث النار والدخان ورائحة الموت.

إذا كان هذا حقا مشروعا لدول الأرض بالمواثيق الدولية وبما توافقت عليه طبيعة الصدامات بين البشر منذ بدء التاريخ، فلماذا يبقى قدر الدول المغلوبة على أمرها أن تظل أرانب وديعة أو دجاجات جبانة لا أنياب لها ولا مخالب؟

فإذا تجرأت وحاولت الخروج من هذه الحظيرة فإنها: أولا توصم بوصمة الإرهاب، وثانيا تقاطع اقتصاديا، وثالثا تتكالب عليها دول التحالف «تكالب» الأكلة على «قصعتها؟».

المفارقة السادسة: حرية التعبير، شعار جميل وممارسة ممتازة وعراك مشروع بين الرأي والرأي الآخر في رحلة البحث عن الحقيقة أو عن أصوب الأمور مما ينفع الناس، وكل من الرأيين يتصدى للذود عنه الحكماء وذوو الاختصاص مؤيدين بالبراهين والحجج والحقائق والرغبة في الوصول إلى الحق.

وليس الغوغاء والجهلاء من الناس المدفوعين بالأهواء والتعصب والأكاذيب والرغبة في إثارة الفتن والإفساد في الأرض، وهذه الحرية لها أشكال ومظاهر مختلفة تتنوع في مناطق العالم بحسب مساحة الحرية التي تمنحها السلطة للجماهير، وأحد هذه الأشكال التظاهرات.

المفارقة هنا تتبدى في أن التظاهرات في العالم المتقدم ولو كانت من أجل قضية تافهة، فإنها تتسم بالجدية وتحركها قوى ناضجة لها خلفيات فكرية وأيديولوجية ويشارك فيها معنيون بالقضية أو متعاطفون معها، وتتحرك من بدايتها إلى نهايتها دون أن تخرج عن النطاق الذي تحركت من أجله.

أما في دول العالم الثالث ـ ورغم أن القضية تكون سياسية وشديدة السخونة وذات أبعاد أيديولوجية معقدة ـ فإنك تفاجأ في أغلب الأحوال بالرعاع والصبيان وربما المخبولين يتقافزون كالقردة في واجهة تلك التظاهرات، وهم يحملون لافتات عليها عبارات ركيكة أو يحرقون علما أو دمية بطريقة مفتعلة تشبه طريقة الأفلام الهندية.

وكلهم يضحك أو يبتسم وكأنه ذاهب لتشجيع فريق كرة القدم الذي يفضله، وطبعا تنحرف المسيرة عن أهدافها وتتحول إلى الفوضى والتخريب والعنف والاعتداء على الأرواح والممتلكات.

وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤلان: ما علاقة هذه النوعية من الناس بالقضية التي لا يفقهون منها شيئا؟ ثم، من الذي حركهم في هذه التظاهرة لكي يجيرها لحسابه في بورصة المصالح السياسية؟ بأي حال من الأحوال، ليس المجتمع الذي ينتمون إليه.

ترى هل هذه المفارقات ـ وغيرها كثير ـ مجرد انعكاس خارجي لحالة التقلب الداخلية التي تنتاب البشر؟ أم أنها عمل عمدي مقصود لذاته مع سبق الإصرار والترصد؟ أيا ما كانت فإنها تظل نوعا من الكوميديا الشيطانية التي تنسج خيوطها حتى نقع في شراكها ذات يوم.

ومع ذلك فإنها تبقى دليلا على حالة الضعف ـ كما هو حال الكيد الشيطاني الضعيف ـ فالقوي لا يلجأ إلى مثل هذه الحيل، وبذلك تتحول هذه المفارقات إلى نقطة ضوء آتية من نهاية النفق المظلم لتحمل البشارة للمقهورين والمغلوبين على أمرهم بأن قدم خصمهم قد انحرفت إلى منزلق الهاوية، وأن رحلته نحو الانحطاط قد بدأت.

كاتب إماراتي