زرت مدينة بانكوك عاصمة تايلند في بداية الثمانينات وكانت من أكثر المدن استقطاباً للسياح من كل أنحاء العالم، ومحطة مهمة للسياحة في آسيا بما تمتاز به من طبيعة خلابة، لكن مع الأسف اشتهرت حينها بانتشار القذارة فيها بكل أنواعها.

خاصة سلوكيات الإنسان التي لوثت المدينة أكثر من تلوث الهواء، وقد ساعد في انتشار الإباحية والدعارة في ذلك الوقت الجنود الأميركان حيث كانت تايلند مقراً للقوات الأميركية لمحاربة ثوار فيتنام.

هكذا كنت وغيري من أبناء الخليج ننظر إلى هذه المدينة كمدينة سيئة السمعة، مشبوهة، حتى ان الكثيرين كانوا يخجلون من زيارتها أو يتحاشون الذهاب إليها مباشرة خوفاً من المساس بسمعتهم.

زرتها قبل أسابيع وأذهلني الفرق الشاسع بين ما كانت وما أصبحت عليه.

مع انها ما زالت مدينة في طور الحداثة والتطوير حسب نمو وإمكانيات الدولة التايلندية، لكنها تتقدم بخطى ثابتة وسريعة فيما يخص البنية الأساسية كالفنادق الفخمة والخدمات الراقية، والشوارع والجسور المتطورة، والمراكز التجارية الضخمة التي تحتوي على بضائع من كل أنحاء العالم وبأسعار زهيدة.

وفوق كل هذا ركزت الدولة التايلندية اهتمامها على الإنسان ورفع مستوى التعليم، كما أصبحت مركزاً مهماً لتقديم الخدمات الصحية والطبية للزائرين من كل أنحاء العالم ومستشفياتها لا تقل جودة عن مستشفيات أوروبا ، لذا يقصدها إلى جانب العرب ،الأوروبيون وحتى الأميركان للعلاج لأنها لم تنافسهم في هذا المجال فحسب بل تفوقت عليهم بأسعارها الرخيصة.

وضمن جولتي السياحية زرت مدينة «هواهين» حيث يسكن ملك تايلند وهي مدينة لا تقل جمالاً ونظافة عن أية مدينة أوروبية صغيرة، مدينة توفر لزائريها جميع وسائل الراحة والاستجمام وأسعار الإقامة فيها رخيصة وخيالية لذا تجذب إليها عدداً كبيراً من السياح الأميركان والأوروبيين للإقامة فيها.

وبالرغم من أن تايلند لا تمتلك الموارد الطبيعية كباقي دول شرق آسيا لكن أهم مواردها بشرية تتجلي في قدرات مواطنيها وحبهم وعبادتهم للعمل، وأداء واجبهم بأكمل وجه وبشكل راق، أما اهتمامهم بالعلم والمعرفة فلا حدود له .

ولقد اعتبرت الدولة أن من أهم واجباتها التركيز على الإنسان وتنمية قدراته، فقامت باستثمار عقول وإمكانيات مواطنيها ودربتهم وعلمتهم خير تدريب وتعليم، حتى أصبحت بذلك تنافس دولاً كبرى في مجالات كثيرة ، دول تدعي أنها فوق البشر.

ويقال ان من أشهر أطباء العالم طبيب تايلندي مختص في علاج القولون يعيش في ألمانيا وهو أستاذ في هذا المجال، ولا شك ان هناك أساتذة تايلنديين في مجالات أخرى.

وهذا ينطبق بشكل عام على كل دول شرق آسيا وفي رأيي ورأي الكثيرين ان هذا القرن سوف يكون قرن الصين وأخواتها وسيكون لهذه الدول دور بارز وفاعل في العالم مهما حاولت بعض الدول إعاقتهم والتصرف وكأنها مالكة العالم بقدراتها العسكرية، فإذا كنا نعيش في زمن القوة.

أو البقاء للأقوى فلماذا ما زال العرب يراهنون على دولة واحدة، ويضعون كل أوراقهم وقضاياهم وإمكانيات شعوبهم في خزينتها؟ وفي خدمة سيطرتها؟ وهي لا تهتم ولا حتى تحسب لهم حسابا!

فإذا كانوا لا يملكون القدرة والقوة للتخلص من ضغوطها، فعلى الأقل يحاولون التقرب من دول شرق آسيا والاقتداء بها وتنمية قدرات شعوبهم ليختاروا طريقهم، وهنا لابد لي أن أشيد بمبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بزيارة بعض الدول الآسيوية عل هذه المبادرة تفتح باب التعاون أمام باقي الدول العربية في شتى المجالات.