منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأميركية اعترافها بإسرائيل في عام 1948، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان قيام الدولة اليهودية، أصبح لذلك الموقف المحابي والداعم للكيان الصهيوني وجهان: وجه يدعم الدولة اليهودية بلا حدود، ووجه يعادي العرب والمسلمين بلا سبب أو منطق.

ومع تقادم السنين وتبدل الإدارات الأميركية تطورت صور الدعم الأميركي لإسرائيل لتشمل التأييد السياسي في المحافل الدولية، والمعونات الاقتصادية والعسكرية، وتمويل عمليات تطوير الصناعات الحربية.

كما تطورت وتنوعت أيضا أوجه وصور العداء الأميركي للعرب والمسلمين عامة وللفلسطينيين خاصة لتشمل الوقوف أمام كل المحاولات العربية لاستعادة بعض الحقوق التي قامت إسرائيل بمصادرتها وتأمين حل عادل للقضية الفلسطينية.

كان الدعم الدبلوماسي لإسرائيل ولا يزال واحدا من ابرز أوجه التأييد الأميركي للكيان الصهيوني، والذي كان يعكس دوما الوجه الآخر المعادي للعرب.

وحتى قبل إعلان قيام الدولة اليهودية، كان الضغط الأميركي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1947 هو العامل الحاسم الذي أدى إلى تمرير قرار التقسيم، وهو القرار الذي أرسى الأساس القانوني لقيام إسرائيل، وساهم في تشكيل الموقف الدولي من القضية الفلسطينية.

ولقد نص ذلك القرار على إقامة دولتين في فلسطين، واحدة لعربها والأخرى ليهودها. وبالرغم من أن العرب كانوا يشكلون أكثر من ثلثي السكان إلا أن قرار التقسيم أعطى لليهود 51% من مساحة فلسطين وأعطى العرب 49% فقط.

كان الدعم الأميركي لإسرائيل خلال عقد الخمسينات يستهدف الحفاظ على بقاء إسرائيل وضمان أمنها، إلا أنه تطور في الستينات إلى دعم خططها التوسعية على حساب الأراضي والحقوق العربية.

وعلى سبيل المثال، أصرت الإدارة الأميركية خلال محاولات إصدار قرار من مجلس الأمن يدعو فيه الأطراف المتحاربة في يونيو عام 1967 على وقف العمليات العسكرية على عدم الدعوة إلى عودة القوات المتحاربة إلى خطوط الهدنة السابقة.

وأثناء مناقشة قرار 242 أصرت الإدارة الأميركية مجددا على حذف أل التعريف من مشروع القرار ليكون النص على انسحاب القوات الإسرائيلية من «أراض احتلت حديثا» بدلا من «الانسحاب من الأراضي التي احتلت حديثا».

ولقد ترتب على ذلك الموقف المنحاز وغير الأخلاقي دعم الخطط التوسعية الإسرائيلية، وتمكين الكيان الصهيوني من الاستمرار في احتلال الأراضي العربية.

في السبعينات تطور الدعم الأميركي في اتجاه تزويد إسرائيل بالمعونات العسكرية لبناء قوتها القتالية والاعتماد عليها في خوض معارك الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي، حيث قامت بدعم عملاء أميركا من الحكام والدول في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. إذ قامت إسرائيل في هذا المجال بتدريب الميليشيات وفرق القتل في العديد من دول أميركا اللاتينية.

وإمداد بعض حكام أفريقيا بالسلاح وخبراء التعذيب الإسرائيليين، كما قامت بالتعاون مع نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا في تطوير القنبلة الذرية التي أصبحت اليوم السلاح الأهم في حرب التهديدات المتبادلة مع إيران.

وبالرغم من علم أميركا بالتعاون بين النظامين القائمين على التفرقة العنصرية إلا أنها لم تغمض عينيها فقط،بل وقامت أيضا بالوقوف أمام المحاولات العربية المتكررة لوضع الملف الإسرائيلي النووي على جدول أعمال الوكالة الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية.

ومن الحقائق التي لا يعرفها الكثير أن الحاخام كهانا أكثر إفرازات الكيان الصهيوني عنصرية قام أثناء حرب فيتنام بالعمل لحساب وكالة التحقيقات الفدرالية الأميركية ( أف بي أي ) حيث قام بالتجسس على معارضي الحرب من الأميركيين لحساب تلك الوكالة.

وفي الثمانينات تطور الدعم الأميركي لإسرائيل في اتجاه تمكينها من الاستحواذ على قوة عسكرية تتجاوز قدرات كافة الدول العربية. ولقد جاءت البيانات الأميركية الرسمية، خاصة المتعلقة منها ببرنامج المعونات الأجنبية وسياسة أميركا الشرق أوسطية لتقول إن أميركا ملتزمة بتفوق إسرائيل العسكري على كافة الدول المجاورة.

ولهذا زاد حجم المعونات العسكرية والاقتصادية وتم التوسع في دعم الصناعات الحربية الإسرائيلية وتحويل كل أموال المعونات إلى هبات لا ترد، والسماح لإسرائيل دون غيرها من الدول بإنفاق المعونات دون رقابة أميركية، واستلام المعونات التي كانت في حدود ثلاثة مليارات دولار سنويا في أول كل عام وإيداعها في البنوك الأميركية والحصول على فوائد عليها.

وهذا مكن إسرائيل من التوسع في بناء المستوطنات في الأراضي العربية التي احتلت في عام 1967 واستيعاب ملايين المهاجرين من اليهود، خاصة من إفريقيا والاتحاد السوفييتي. ومع انتهاء ذلك العقد كانت قوى اللوبي الصهيوني قد أصبحت الجهة المتحكمة في صنع القرار المتعلق بسياسة أميركا الشرق أوسطية عامة.

وفي التسعينات حين بدأت عملية السلام، اتجهت الإدارة الأميركية إلى دعم إسرائيل في المفاوضات وتبني مطالبها بالكامل، حيث قال أحد المشاركين في الوفد الأميركي: كنا نتصرف كمحامين لإسرائيل.

وعلى سبيل المثال، اضطر المفاوض الفلسطيني بعد توقيع اتفاقية أوسلو إلى الاستعانة بأعضاء من حزب العمل الإسرائيلي للتوسط بين الفلسطينيين والأميركيين، مما جعل الوسيط الأميركي يتحول إلى طرف معاد، ويتحول الطرف الإسرائيلي المعادي إلى وسيط.

وفي الواقع، تم إسناد مهمة الوساطة الأميركية إلى فريق كل أعضائه من اليهود الملتزمين بسياسات إسرائيل العدوانية، وعلى رأسهم دينيس روس الذي قاد الفريق الأميركي لمدة تقارب 12 عاما متتالية قام من خلالها بإجهاض كل الاقتراحات البناءة لتحقيق السلام.

ومما يؤسف له أن الفضائيات العربية، تكثر من الاستعانة بروس في التعليق على عملية السلام التي قام بتدميرها بالكامل، مما يجعله يستحق جائزة نوبل في الفشل السياسي والعقم الفكري والإجرام الأخلاقي، ولا شيء غير ذلك.

وكما أشارت العديد من الكتب والوثائق، ومنها الدراسة التي أعدها جون ميرشهايمر وستيفن وولت الأستاذان في جامعتي شيكاغو وهارفارد على التوالي، جاء الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 من اجل تعزيز امن إسرائيل والقضاء على الدولة العربية التي كانت تملك إمكانيات تهديد الكيان الصهيوني.

كما جاءت الدعوة الأميركية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط « الكبير» من اجل خدمة المصالح الإسرائيلية التي ترى في تلك الدعوة تعزيزا لادعاءاتها القائلة بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

ومن اجل تمكين إسرائيل من تحقيق خططها التوسعية، والهروب من التزاماتها الدولية، والاستمرار في مسلسل الجرائم ضد الشعب الفلسطيني قامت أميركا باستخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي أكثر من مجموع الأعضاء الآخرين.

ولقد كان عدد المرات التي استخدمت فيها أميركا هذا الحق لحماية إسرائيل منذ عام 1982 قد بلغ 32 مرة، وكأن إسرائيل هي القضية الأكثر أحقية بالعناية في التاريخ، والطرف الوحيد المظلوم في عالم اليوم.

والدولة التي تعاديها كل الشعوب ولا يفهمها أو يشعر معها إنسان سوى الجالس في البيت الأبيض وفي أروقة الكونجرس. وهذا جعل أميركا دولة متغطرسة ومعادية للشعوب العربية ومبادئ العدالة، وجعل سياستها تشكل تهديدا للأمن والسلام في العالم اجمع.

Professorrabie@yahoo.com