ما يحدث الآن في العراق يفتح الباب من جديد، لمناقشة موضوع الدور العربي في العراق، وهو موضوع ما إن يُطرح حتى يثير مشاعر الحساسية والحذر والتحسُّب لدى كل الأطراف التي لها علاقة به من بعيد أو قريب.

دعنا نلاحظ ابتداءً أن الشارع العربي ينظر إلى كل طرح لدور عربي في العراق بعين الخشية من أن يكون مدخلاً لإعداد غطاء رأس عربي للزي الحربي الأميركي، الذي يسدّ آفاق المستقبل في العراق، وهو توجُّس يمكن فهمه في ضوء غياب الثقة في هذا الشارع بتوجهات دوائر صنع القرار العربي الرسمي في عدد من الدول العربية.

في العراق نفسه، فإن الدوائر الرسمية تريد دوراً عربياً داعماً لها، ولكن في حدود وبشروط، ويكاد يكون لكل تجمُّع سياسي في العراق رأي خاص به في هذا الدور، لكن معظم هذه الآراء تغلب عليها الرؤية السلبية في المقام الأول.

الائتلاف الذي يلقي بظلاله على أرض العراق وتقوده الولايات المتحدة، لا يرى دوراً عربياً إلا من خلال الاندراج ضمن نسيجه، وبتعبير آخر، فهو يسعى إلى أن يكون الدور العربي رافعة تزيل عنه ضريبة الدم التي يدفعها عن الاحتلال، وأداة امتصاص لدويّ الانفجارات، وقنوات ضخ للمساعدات لردم الهوَّة التي أحدثها على الأرض العراقية.

جامعة الدول العربية لا تزال منطلقة بمبادرتها لمؤتمر يضم الأطراف العربية والعراقية. ولكن لا أحد يدري إلى أين سيصل هذا المؤتمر، ولا ما إذا كان ما سيصل إليه سيكون قابلاً للتطبيق على أرض الواقع.

الأطراف غير العربية المجاورة للعراق تنظر بعين التوجس إلى الدور العربي في العراق، فهو قد يضيق مجال الحركة التي انتزعته، ثم انها لا تتردد في ترجمته على انه دعم لهذه القوة أو تلك الطائفة داخل العراق بما يعيد خلط الأوراق على غير ما تهوى.

أخيراً تأتي إسرائيل لترى في الدور العربي في العراق مطاردة للرحابة التي أتيحت لها في آفاق الحركة في العراق، سواء في الشمال، حيث حضورها يكاد يكون ملموساً ومرئياً عياناً جهاراً، أو بالتعاون مع فعاليات الائتلاف، وهو تعاون وثيق بأكثر مما يتصوره الكثيرون.

هنا لابد من التوقف عند حقيقة أساسية، وهي أنه على الرغم من التحرك الذي بادرت إليه الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وما أعدته من ملفات للمؤتمر الذي ترعاه وتعد لانطلاقه، فإنه لا تكاد تكون هناك رؤية استراتيجية عربية لها الحد الأدنى من التكامل بشأن الدور العربي في العراق.

هذا يعيدنا إلى حقيقة الفراغ العربي في مواجهة قضية ملحة ودقيقة ولا تحتمل التأجيل، وعدم وجود الحد الأدنى من التصور لكيفية التعامل مع متغيرات الساحة العراقية وتطوراتها المستقبلية.

بالمقابل فإننا نرصد استراتيجية تحرك، تدور على وجه الدقة حول الدور العربي في العراق، أعدها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، وتحظى بما يمكن وصفه بتعاطف من دوائر بعينها في الخارجية الأميركية.

هذه الاستراتيجية ينبغي ان تحظى بأعظم قدر من الاهتمام في الشارع العربي، ربما لأننا قد نجدها غداً وقد ترجمت إلى املاءات تفرض على الحكومات العربية، وسرعان ما تتحول إلى أمر واقع يتعين علينا مواجهته، ومن هنا تأتي خطورتها حقاً.

تضم هذه الاستراتيجية عشر نقاط محددة، نتطرق هنا إليها في شكل عناوين سريعة، آملين أن يؤدي طرحها إلى تفجير آليات استراتيجية عربية مضادة، تضع مصالح الأمن القومي العربي في بؤرة الاهتمام الرئيسي.

الاستراتيجية الأميركية تطرح التحرك تحت الآفاق التالية:

أولاً: إيجاد حضور عربي على أرض العراق يتسم بالتواصل، في صورة منطقة خضراء آمنة، تحيط بمجمعات السفارات في بغداد بالتنسيق مع الحكومة العراقية وقيادة الائتلاف.

ثانيا: التعامل العربي النشط مع قضايا الديون والتعويضات المترتبة على العراق وتقديم دعم جدي لحكومة عراقية جديدة وشاملة تضمن توزيع المساعدات على كل أجزاء العراق.

ثالثا: معالجة قطاع النفط العراقي ومشكلاته من خلال جهود شركات النفط العربية الكبرى، مثل شركة «أرامكو» السعودية وغيرها، وبصفة خاصة في مجال الإصلاح والتطوير والإنعاش الشامل للقطاع النفطي العراقي.

رابعاً: إرسال رسالة واضحة إلى السنة في العراق مفادها أن مساعدة خاصة ستصل إلى مناطقهم، بمجرد توقف العمليات العسكرية والمشكلات الأمنية فيها.

خامساً: القبول بحقيقة أن العراق يشهد توترات ومشكلات وعمليات تمييز على أسس طائفية والتعامل مع هذا الوضع بصراحة وانفتاح في كل من العراق والعالم العربي على حد سواء.

سادساً: الضغط على أطراف مجاورة للعراق للوصول إلى حل وسط مع العراق يضمن الاستقرار والأمن في المنطقة باعتبار أن ما يجرى الآن لا يعدو أن يكون لعبة خطرة.

سابعاً: إبداء اهتمام كبير لا بأمن الحدود العراقية فحسب وإنما بمجمل عمليات تجنيد الشبان العراقيين ودفعهم إلى التطوع بالهيئات الحكومية التي يجرى انشاؤها للعمل في مجال الأمن.

ثامناً: التعاون مع الحكومة العراقية بما يتضمن التصدي للمؤثرات الخارجية التي تدفع باتجاه التقسيم والتطرف في العراق.

تاسعاً: العمل مع الأكراد ومع تركيا بما يضمن حقوق الأكراد والتنسيق مع تركيا للمساعدة في وقف عمليات التسلل وضمان الوصول بمخاطرة التدخل التركي في العراق إلى الحد الأدنى.

عاشراً: الاندراج النشط في دعم جهود الحكومة العراقية لتشكيل قوات للأمن والشرطة وتشكيلات عسكرية، بما في ذلك التدريب والإمداد بالمعدات.

الحقيقة الأولى التي لابد للقارئ العربي من الوقوف عندها طويلاً، لدى قراءة هذه النقاط التي تشكل المحطات الرئيسية في الاستراتيجية الأميركية المقترحة لدور عربي في العراق، هي أنها كلها تندرج في إطار أرضية أمنية، بمعنى أنها تصب في امتصاص عربي للضغوط التي يتعرض لها الائتلاف في العراق.

لن نرى في أي موضع من تفاصيل هذه الاستراتيجية مقترحات أو خطوات على أرضية سياسية، بمعنى أننا لن نقرأ أبداً عن دور عربي في إطار خروج قوات الائتلاف من العراق، والأخطر من ذلك التشديد الأميركي على واقع التجزئة والانقسام والحرص على قبول عربي به والعمل في ضوء هذا القبول.

هذا المفصل ـ في اعتقادنا ـ هو المنطلق الذي ينبغي أن يبدأ منه أي جهد عربي لوضع استراتيجية متكاملة لدور عربي في العراق، فهذا الدور لا ينبغي أن يستدرج إلى أرضية أمنية، لا ينبغي أن يكون جزءًا من آليات عمل الائتلاف.

وإنما ينبغي أن يكون جزءاً من آليات تحويل الائتلاف إلى ماضٍ نحرص على التخلص من كل آثاره تمهيداً لاستعادة العراق لسيادته وحريته وتكامل أراضيه، كما أنه ينبغي أن ينطلق من رفض تقسيم العراق وتحويله إلى كيان مسخ.

إن الدور العربي في العراق ينبغي، على كل المستويات، أن يكون في خدمة عراق حر وآمن وبعيد عن ظلال التقسيم والتمزق والصراع وبوادر الحرب الأهلية. ونقطة الانطلاق في رسم ملامح هذا الدور ينبغي أن تكون المبادرة بالتحرك السريع للوصول إلى نتائج إيجابية وملموسة بالتنسيق بين العواصم العربية وبين الحكومة العراقية والقوى المختلفة الممثلة لعراق المستقبل بعيداً عن ظلال الاحتلال.

فهل نأمل في أن يشهد الغد القريب استراتيجية عربية قادرة على تحقيق التصور القومي الأصيل لدور عربي بناء وفاعل وحقيقي بالتعاون مع الأشقاء العراقيين على أرضية التعجيل بانتهاءاحتلال العراق؟

رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»

kamel@albayan.ae