ظاهر الامر ان المجلس قد جرى صرفه, وان الحكومة ارتاحت من الاستجوابات النيابية, ومن اوجاع الدماغ المتأتية عن اسئلة النواب التي لا تنقطع, وان الشعب ايد قرار حل المجلس لانه وضع حدا لهذه البطالة السياسية المنهكة... هذا هو ظاهر الامر, اما جوهره فيفيد ان قرار الحل قرار سياسي, يعبر عما سيليه من قرارات وبرامج وخطوات.
فبعد وضع حد لحركات التصعيد السياسي من هنا وهناك وهنالك, وبعد وقف صراع الارادات, ومحاولة استيلاء فئة سياسية على حقوق فئة سياسية اخرى, اصبح الوقت فرصة متاحة من الهدوء تسمح للحكومة بان تلملم افكارها, وتواجه نفسها وغيرها بما تريد, وان تضع البرنامج السياسي المطلوب الذي يمكن اعتباره الثمن المدفوع لقرار الحل, والمبرر المقنع الذي وقف وراء اصداره.
الآن امامنا اسابيع عدة تسبق اجراء الانتخابات لاختيار مجلس امة جديد, وباستطاعة الحكومة ان تفعل الكثير خلال هذه الاسابيع من خلال اصدار المراسيم, وفي طليعتها المراسيم التي تفرج عن المشاريع الحيوية المتوقفة في مجلس الامة, وهي مشاريع كثيرة تتصل في مجملها بالضرورات الوطنية والاصلاحية وهي الضرورات التي ألح عليها العهد الكويتي الجديد واراد ان يطبع وجوده بانجازها وتحقيقها.
وبناء على هذه الرؤية المبسطة المرتكزة على توفير المبرر المقنع لقرار حل مجلس الامة, فقد اصبح من واجبات الحكومة ان تعمل في الصبح والظهر والمساء, وان تطلب من وزرائها المداومة في مكاتبهم حتى الانتهاء من احصاء المشاريع الاصلاحية والاقتصادية والتنموية, واعدادها للصدور بمراسيم, ولعل اهم هذه المشاريع مشروع قانون تعديل الدوائر الانتخابية الذي يعتبر المدخل الطبيعي للاصلاح السياسي.
الحكومة خلال الايام المقبلة بإمكانها تنظيف جدول المطلوبات السياسية, واخراج المشاريع المختنقة في مجلس الامة الى فضاء الانفراج, وبالتالي بإمكانها عبر هذا العمل ان تقدم للناس المحتوى السياسي الكامل لقرار الحل, وان تدخل في روعهم انها حكومة معنية بالاصلاح, وتريد ان ترتقي بالعملية السياسية في البلاد عن طريق خلق طبقة نخبوية جديدة قائمة في اغلبها على الشباب وعلى ما يختزنه الشباب من طموحات ومن افكار.
في هذا الجانب المغمور بالتوقعات المنتظرة نذكر بان كل الحكومات في الديمقراطيات الحديثة تعيش على الاغلبية التي تؤيدها, وهي اغلبية تحكم البرلمانات في العادة, وتأتي بها الاحزاب السياسية.
الحاصل عندنا هو انه لاتوجد اغلبية تحكم بها الحكومة, ولذلك يجب من الآن العمل على توفير هذه الاغلبية في المجلس المقبل, وترك آخرين يعارضون, ويقولون ما عندهم, ولايؤثر قولهم على عمل الحكومة او يعيق قراراتها.
لقد مارسنا العمل الديمقراطي لكننا في آخر الامر تفاجأنا بان الاقلية البرلمانية هي التي نجحت في ارباك الجبهة الداخلية, وهي التي عرضت الثوب الذي فصلته لنفسها على الجميع كي يرتدوه, من دون ان تأخذ رأيهم في الاعتبار.
الدستور يعطي الحق بالحكم بالمراسيم في غياب مجلس الامة, والقصد من ذلك توفير العدالة بالتساوي, ومراعاة الانظمة السائدة في ديمقراطيات العالم, وتحريك عجلات الاصلاح في كل المرافق السياسية والاقتصادية, والقضاء على الفساد, واطفاء القضايا العامة المثيرة للجدل وللخلاف.
واذا ما انتخب مجلس جديد فإنه سيبدأ الكتابة على ورق ابيض, ويباشر العمل على ارض ممهدة خالية من الموروثات المرحلة, ومن القضايا المعلقة, ومن الازمات الكامنة والصامتة.