عدم التدخل في شؤون الآخرين سمة ثابتة في السياسة الخارجية السعودية، وهي سمة منحت المملكة مصداقية واحتراماً كبيرين في المجتمع الدولي، وفي المقابل لا تسمح المملكة بأي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية، كما أكد ذلك الأمير نايف في مجلس خاص بحضور (الجزيرة).
لكن هذه السياسة الحكيمة التي تتبعها المملكة في علاقاتها مع الآخرين لا تعني أنها غير معنية بما يجري من حولها؛ فاحتلال العراق على سبيل المثال يؤثر بطريقة أو بأخرى في المنطقة، بل إنه يؤثر في العالم بأسره، ومن الطبيعي أن تقلق المملكة مما يجري في العراق باعتبارها تشترك معه في حدود طويلة، ويتطلب منها ذلك أن تراقب بشدة هذه الحدود.
كما أن المملكة دولة عربية كبرى ويعنيها كل ما يصيب البلاد العربية، ولا شك أنها تحرص على أن ينعم العراقيون بالحياة الكريمة، ويصلوا إلى بر الأمان، وأن ينتهي الاحتلال، وترجع العراق دولة مستقلة. وفي هذا الشأن تؤكد المملكة على أحقية العراقيين في إدارة شؤون بلادهم بعيداً عن التدخلات الخارجية.
كما أن المملكة معنية بالأزمة المشتعلة بين إيران والغرب حول أنشطتها النووية التي قد تنتهي إلى ضربة عسكرية ضد منشآتها، وقد تندلع على إثرها حرب طويلة لا يمكن التنبؤ بمآلها وحجم الأضرار الناتجة عنها. وبالتالي فإن الأزمة الإيرانية تقلق دول الخليج، وعلى رأسها المملكة التي تتمنى أن تنتهي الأزمة على خير.
وحتى لو لم تكن إيران تسعى إلى إنتاج أسلحة دمار شامل فإن ثمة مخاوف من الأضرار البيئية الناتجة عن الأنشطة النووية، وبخاصة لو حدث - لا سمح الله - تسرب إشعاعي، فإن سكان المنطقة سيتأثرون بذلك.
إلا أن أنشطة إيران النووية وأزمتها مع أميركا وأوروبا حول هذا الأمر لم تؤثر سلباً في العلاقات السعودية الإيرانية، بل إن الرياض تحترم إيران حكومة وشعباً، وتؤكد على أن مواطني إيران بما فيهم السنة هم إيرانيون وولاؤهم لبلدهم، تماماً كالشيعة في السعودية هم مواطنون سعوديون وولاؤهم لبلدهم، وليس ثمة تفرقة بين سنة وشيعة، فالكل سواء، يتمتعون بنفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات.
هذه السياسة القائمة على عدم التدخل في شؤون الآخرين يقابلها تأكيد جازم من قبل المملكة على سيادتها الكاملة على أراضيها، وحقها الكامل في إدارة شؤونها بالطريقة التي تتماشى مع معتقداتها وتقاليدها، وتتناسب مع خصوصيتها، ووفق الآلية التي تنهض بمجتمعها وتحقق له المعيشة الكريمة.