يبدو أن ما يحدث في المعتقلات الأميركية لم يعد من التابوهات أو المحرمات التي يخشى الاقتراب منها، أو الكشف عن الممارسات والانتهاكات التي تجرى فيها، خاصة مع إعلان الرئيس الأميركي جورج بوش نفسه،عن انه يرغب في إغلاق معتقل غوانتانامو سيئ السمعة، وتقديم المعتقلين فيه إلى القضاء، لاسيما وانهم محتجزون فيه منذ سنوات بلا اتهام رسمي وجه لهم.

والواقع أن هذه الرغبة الأميركية في إغلاق غوانتانامو، دفعت الأمم المتحدة إلى التخلي عن الصمت، وسلحها بالشجاعة لتعلن صراحة ومن دون خوف من الانتقاد الأميركي.

وتقول في احدث تقرير لها والذي صدر الجمعة الماضية، انه يتعين على الولايات المتحدة أن تغلق أي مراكز اعتقال سرية تستخدمها في حربها على الإرهاب في الخارج وفي خليج غوانتانامو.

وتوصيتها بتسجيل كافة من تعتقلهم في أراض تابعة لسلطتها القانونية، والقضاء على التعذيب وإساءة معاملة المحتجزين،وعدم إرسال مشتبه بهم لبلدان يواجهون فيها احتمالات تعرضهم للتعذيب، وإصدار تشريع فيدرالي يجرم التعذيب بأشكاله، وتوسيع تعريف ما يمكن اعتباره من وسائل التعذيب النفسي.

وقالت الأمم المتحدة إنها تدرك أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر ألحقت ألما عميقا بالولايات المتحدة، لكن هذا لا يبرر الانتهاكات التي ترتكب في المعتقلات، داعية واشنطن لإنهاء اعتقال الأشخاص في معسكر غوانتانامو، وإلى إغلاق المعسكر، عبر الإفراج عن المعتقلين أو السماح لهم بالمثول أمام القضاء، واتخاذ إجراءات فورية للقضاء على التعذيب وإساءة معاملة المحتجزين على أيدي الجنود الأميركيين في أي منطقة خاضعة للقانون الأميركي.

ولاشك ان الأمم المتحدة، تأخرت كثيرا في مطالبتها بإغلاق المعتقل، ولم تكن على نفس قدر الشجاعة الذي تحلت به منظمات أخرى مهتمة بالعمل الإنساني والحقوقي، مثل منظمة العفو الدولية «امنيستي» التي أصدرت العديد من التقارير التي دقت ناقوس الخطر.

وكان آخرها في الثالث من مايو الماضي، واتهمت فيه الإدارة الأميركية بخلق مناخ يمكن أن يزداد التعذيب في ظله من خلال المعاملة غير الإنسانية أو المهينة التي يتعرض لها السجناء والمحتجزون سواء في الولايات المتحدة أو في مواقع احتجاز أميركية حول العالم.

وقالت إن الإدارة الأميركية فشلت في اتخاذ إجراءات فعالة سواء كانت قانونية أو غيرها للحيلولة دون حدوث ممارسات تعذيب أو لإنزال العقاب المناسب بهؤلاء الذين يرتكبون هذه الممارسات.

وأكد التقرير أن الإدارة الأميركية لم تفشل فقط في القيام بخطوات لاجتثاث جذور ظاهرة التعذيب بل انها وفرت أيضا في واقع الأمر مناخا يمكن أن يزداد التعذيب وغيره من أساليب المعاملة المهينة في ظله .

بما في ذلك السعي لتضييق نطاق مفهوم التعذيب، مشيرة إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية كرد فعل على عمليات التعذيب والممارسات غير الإنسانية واسعة النطاق التي جرت بحق المحتجزين في السجون العسكرية الأميركية في سياق الحرب ضد الإرهاب كانت أبعد ما تكون عن أن تفي بالمطلوب القيام به في هذا الشأن.

وليس «امنيستي» الوحيدة أيضا في هذا المجال، بل ان أكثر من 250 طبيبا من سبع دول هي بريطانيا والولايات المتحدة وايرلندا وألمانيا واستراليا وايطاليا وهولندا، وقعوا على رسالة نشرتها مجلة لانست الطبية في العاشر من مارس الماضي، انتقدوا جانبا واحدا من الممارسات في غوانتانامو، وهو إطعام المضربين عن الطعام من المعتقلين قسرا.

وقالوا في رسالتهم إننا نحث الحكومة الأميركية على عرض المعتقلين على أطباء مستقلين وعلى الامتناع عن استخدام أساليب كالإطعام القسري بحقهم. وأضافوا إن الاتحاد الطبي العالمي ـ وهو هيئة دولية تمثل أطباء من مختلف دول العالم بما فيها الولايات المتحدة ـ تحرم الإطعام القسري تحديدا.

من هنا فإننا نرى ان الأمم المتحدة لم تكن على نفس قدر الشجاعة التي تحلت بها المنظمات الإنسانية العالمية، رغم ان دورها ومسؤوليتها الدولية، يحتمان عليها ان تكسر جدار الصمت.

وتعلن بصراحة ان الممارسات التي تتم في غوانتانامو وغيرها من المعتقلات السرية الأميركية، أمر غير مقبول على الإطلاق وينبغي ايقافها فورا، وان توجه النقد إلى الولايات المتحدة، بالشجاعة نفسها التي تتحلى بها عند انتقاد اي دولة أخرى في هذا العالم.

اما بالنسبة إلى أميركا، التي تحاول جاهدة البحث عن حلول لصورتها المشوهة عالميا، فعليها الابتعاد عن الأدوات التي لا يمكن ان تزيل تشوهات هذه الصورة، مثل الحملات الإعلانية ودعم الصحف والمجلات التي تعزف نغمتها وتدافع عنها،.

وان تلجأ الى الأسلوب المباشر الواضح والصريح الذي يعطى مفعولا سريعا، وهو وقف هذه الممارسات التي تجرى في سجونها ضد العرب والمسلمين، وان تقدمهم إلى القضاء إذا كانت تملك أدلة تدينهم بأية جرائم، اضافة إلى تغيير سياستها الخارجية بشكل جوهري، والتوقف عن الانحياز إلى إسرائيل، وإنهاء احتلال العراق، وحال فعلت هذا كله، فإنها لن تتساءل باستغراب : لماذا يكرهوننا؟!.