عقد في مطلع هذا الشهر مؤتمر حول «الإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي». وقد شارك في هذا المؤتمر المهم نخبة وكوكبة من المفكرين والسياسيين العرب الذين اهتموا بدراسة موضوع الإصلاح والديمقراطية في الوطن العربي.

وقد دارت المناقشات والتعقيبات حول كيفية إحلال الأسس الديمقراطية في الأنظمة السياسية في عالمنا العربي. وأجمع المشاركون في هذا المؤتمر على عدم جدوى الديمقراطية الحالية في العالم العربي وذلك لأن الشعوب تسعى للحصول على ديمقراطية تعبر عن آمالهم وطموحاتهم ورؤاهم المستقبلية.

والديمقراطية الحالية لا تلبي مثل هذه الاحتياجات لأنها ديمقراطية شكلية وليست فعلية. وقد أشار المفكر الإسلامي المعروف فهمي هويدي إلى هذا الموضوع من خلال طرحه لمصطلح «الإصلاح السياحي» الذي يقصد به الإصلاح الشكلي غير الحقيقي والذي لا يخدم عملية التحول الديمقراطي في أية حالٍ من الأحوال.

لأن الديمقراطية الحقيقية التي يمكن أن تنبع نتيجة وجود إصلاح سياسي فعلي في أي بلدٍ عربي تنص على المشاركة لجميع الفئات في العملية السياسية وهذه الديمقراطية لا تتوفر في عالمنا العربي.

فالديمقراطية في العالم العربي لا تشمل جميع الفئات والقوى السياسية الموجود في المجتمع، فعلى سبيل المثال هناك بعض الأنظمة السياسية التي تسعى جاهدةً إلى إقصاء واستثناء التيار الإسلامي من المشاركة في اللعبة السياسية بحجة عرقلة الديمقراطية، كما أن هذا الإقصاء والإبعاد للتيار الإسلامي غالباً ما يبارك وتتم تزكيته من قبل التيار العلماني.

ولكن بالرغم من كل هذه الحجج والإدعاءات فإنه مازالت هناك تجارب سياسية تخالف هذا الرأي فوصول حزب العدالة والتنمية في تركيا إلى السلطة يؤكد فكرة المشاركة للتيارات الإسلامية في العملية السياسية والانخراط فيها دون أن تكون هناك عراقيل تجاه قضية الديمقراطية.

ومن المعروف أن منطقة الشرق الأوسط والساحة العربية على وجه الخصوص تعاني من حالة تدهور تعيق عملية الإصلاح السياسي. لذا وجد المشاركون أنه لا مبرر لتأجيل عملية الديمقراطية إلى أجلٍ غير مسمى.

كما أن البعض اقترح ضرورة انتهاج الديمقراطية الثلاثية «السياسية، الاقتصادية، الأخلاقية» أو ما يعرف بالثالوث الديمقراطي للوصول إلى المعنى الحقيقي والفعلي للديمقراطية.

في طرحنا لمثل هذا الموضوع المهم لا يمكننا أن نغفل أحد أهم الجوانب المتعلقة بعملية الإصلاح والتحول الديمقراطي وهو دور الضغوطات الخارجية في تحريك عملية الإصلاح وفرض المبادئ والأسس الديمقراطية على البلاد العربية .

وقد خصص المؤتمر جلسة كاملة لهذا الموضوع وذلك تأكيداً على أهميته البالغة، يمكننا القول إن عملية الإصلاح يجب أن تكون نابعةً من الداخل ولا تفرض من الخارج.

بينما نجد حملةً غربيةً تشن بقيادة الولايات المتحدة الأميركية على دول منطقة الشرق الأوسط أو بالأخص الدول العربية لإصلاح ودمقرطة الأنظمة السياسية العربية بحجة أن هذه الأنظمة تروج للقمع والقهر والإرهاب.

لكن قضية الإصلاح السياسي كما نددت بها كثيرٌ من الأنظمة السياسية العربية أصبحت في زمننا هذا عبارة عن موضة معينة تواكب متطلبات مرحلة خاصة .

وقد توافقت هذه الموضة الجديدة مع سيمفونية السياسة الأميركية تجاه أنظمة الشرق الأوسط، وأصبحت كذلك اللحن المفضل لديها التي تستمتع بالعزف عليه لذلك نجد أن هناك رغبة أميركية في نشر المبادئ الديمقراطية عن طريق عولمتها سياسياً.

لقد تبنت الولايات المتحدة رئاسة المدرسة الديمقراطية، ودعمت العملية الديمقراطية بكل ما أوتيت من قوة في سبيل فرضها على معظم الدول.

ولكن المفارقة العجيبة والغريب في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة تسعى لنشر الديمقراطية في أنحاء العالم في حين أنها لا ترحب بما تفرزة الديمقراطية من خلال نتائج العملية الانتخابية وخير مثال على ذلك ما جرى في الانتخابات «الإيرانية والفلسطينية».

إن الغرب عموماً يرى أن البيئة التي تحيط بالدول العربية هي بيئة في مجملها تجعل هذه الدول غير قادرة على التحول إلى الديمقراطية. وقد استطاعت الولايات المتحدة الأميركية استغلال هذه البيئة بنجاح في فرض خطاب الإصلاح السياسي والديمقراطية على النظم السياسية في العالم العربي والذي تتجلى أبرز ملامحه من خلال الصحف والمنتديات والمؤتمرات العربية التي تبنت الخوض في مجال الإصلاح والديمقراطية.

قد يرى البعض أن التدخل الخارجي الذي يسعى لفرض الديمقراطية بالقوة هو الحل الصحيح لعلاج أزمة الديمقراطية في العالم العربي وهؤلاء هم الذين عرفوا ب«الليبراليين الجدد».

إلا أن هذا التدخل في مجمله هو أمرٌ غير صحيح وذلك يرجع لعدة عوامل ومؤشرات برزت من خلال الممارسات التي يمارسها الخارج تحت غطاء نشر الديمقراطية.

فإذا نظرنا إلى باطن مبادرات الخارج لنشر الديمقراطية وجدناها تدعم أنظمةً سياسيةً انتهجت شكل الديمقراطية الجوفاء كقشرة خارجية لأنظمتها،هذا إذا ما كانت ديكتاتورية الطابع في بعض أرجاء العالم.

وأوضح مثال يدل أن التدخل الأجنبي لا يسعى لنشر الديمقراطية هو أننا نرى في لوحة الديمقراطية الأميركية التي تحاول الترويج لها من خلال فتح معارض في أقطار العالم العربي هي في الحقيقة ديمقراطية على الطريقة العسكرية تصدر إلى البلدان العربية على ظهر دبابات وناقلات أو أساطيل حربية.

بالإضافة أيضاً إلى افتقار الخطاب السياسي الأميركي للديمقراطية للمصداقية، ناهيك عن تضمن خطابها وممارساتها ازدواجية في القيم والمعايير.

وإن محاولة الولايات المتحدة الأميركية تجفيف منابع التطرف والإرهاب عن طريق دعم الأنظمة السياسية الاستبدادية في العالم يؤكد في الوقت نفسه سيادة سياسة المصالح والمنفعة والتي أصبحت اليوم المسيّر الحقيقي لدفة العلاقات الدولية ليس عند الولايات المتحدة فحسب بل عند جميع الدول في النظام الدولي المعاصر.

جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية