احتشد جمع من علماء المسلمين بالدوحة وألقوا بكامل ثقلهم وراء حكومة «حماس» تأييداً لها في سياستها الرافضة لمطالب المجتمع الدولي المتمثلة في المبادئ الثلاثة التي حددتها اللجنة الرباعية في بيان أصدرته في 3 يناير.
وهي: وقف العنف، الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وقبول الاتفاقات المبرمة، وذلك كشرط لاستئناف عملية الدعم المالي الأوروبي والأميركي والمقدر بـ (900) مليون دولار سنوياً.
من حق هؤلاء العلماء الذين حضروا هذا المؤتمر الخطابي ان يؤيدوا سياسة حكومة حماس ولكن عليهم ـ أيضاً ـ ان يدركوا ان هذا الدعم والتأييد يزيد «حماس» تمسكاً برفضها للمطالب الدولية بل وأيضاً رفضها لمبادرة السلام العربية التي تحاول الدول العربية اقناع حماس بقبولها كورقة تساعد الدول العربية في مفاوضاتها مع «الرباعية» من أجل تبني آلية تضمن وصول المساعدات للفلسطينيين.
الأمر الآخر الذي أسفر عنه هذا المؤتمر ان هذا الموقف من قبل هؤلاء العلماء إنما هو انحياز سياسي صريح لفصيل سياسي فلسطيني ضد فصيل آخر يتبنى سياسة مغايرة، ولذلك لم نجد حضوراً بارزاً إلا لخالد مشعل ممثل حماس دون الطرف الآخر، وصحيح ان هذا المؤتمر نظم تحت شعار «نصرة الشعب الفلسطيني».
ولكن الهدف الأساسي كان «نصرة حماس» وليس في نصرة هؤلاء العلماء لحماس أي حرج، فمن حق أي عالم ان يتخذ الموقف الذي يقتنع به ولكن يجب ان يكون واضحاً ومعلناً للجميع ان تأييد العلماء الذين اجتمعوا بالدوحة لحماس إنما يمثل اجتهاداً شرعياً سياسياً لهم .
وليس بالضرورة هو الموقف الشرعي السياسي الوحيد، فمن حق علماء آخرين ان يساندوا سياسة منظمة التحرير في قبولها السلام وعملية التفاوض والمنسجمة مع مواقف الدول العربية والمجتمع الدولي ويعد موقفهم هذا، اجتهاداً شرعياً مقبولاً.
وبمعنى آخر ان كلا الموقفين السياسيين يندرجان في اطار الاجتهاد الشرعي السياسي المقبول والعبرة في النهاية: أيهما يحقق مصلحة الشعب الفلسطيني؟ فأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله.
الآن توقيت هذا المؤتمر يأتي في وقت يسعى فيه «عباس» لمخاطبة البرلمان الأوروبي لإعطاء فرصة لحماس، وهناك جهود موازية من قبل الدول العربية لإقناع حماس بمبادرة بيروت العربية وهناك أنباء تتردد ان قيادة حماس تقترب من إعلان قبولها المبادرة، فالخشية حاصلة من ان هذا المؤتمر قد يكون عاملاً من العوامل التي تدفع حماس لمزيد من التردد والتأجيل .
وهذا هو الوجه السلبي لمؤتمر علماء المسلمين بالدوحة رغم الوجه الايجابي الذي تمثل في حشد التأييد والدعم للشعب الفلسطيني، ولذلك كنت أتمنى من هذا المؤتمر الداعم لحماس، رفع الحرج عن حماس في مسألة دعم .
وتأييد العمليات التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين من النساء والأطفال وبخاصة وانها الآن في السلطة وتمثل الشعب الفلسطيني، ففي تصوري ان تلك العمليات التي سموها «استشهادية» ورفعها بعض المشايخ إلى رتبة «أسمى أنواع الجهاد» هي التي أخرت بالقضية كثيراً.
وكانت مجازفة كبيرة بمستقبل الشعب الفلسطيني، وجعلت العالم كله يلقي باللوم على الفلسطينيين رغم أنهم الضحايا المعتدى عليهم، إذ لم يعد العالم يتسامح مع هذا النوع من العمليات ضد المدنيين وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر الكارثية، هذه العمليات التي أجازها بعض المشايخ .
وبغض النظر عن تسميتها (استشهادية) أو (انتحارية) لم تخدم الفلسطينيين مطلقاً بل زادتهم بؤساً ودماراً كردود فعل انتقامية من قبل الجلاد الإسرائيلي، إذ مقابل كل عملية ضد مرقص أو محطة باص أو فندق أو سوق كانت ردود الفعل الإسرائيلية رهيبة، فضلاً عن ان تلك العمليات لم يكن لها مفعول ردعي مؤثر بل إسرائيل هي ملكت الردع ضد الفلسطينيين واتخذتها ذريعة لمواصلة سياستها القمعية ضد الابرياء.
وكما يقول جمال خاشقجي في مقال له بعنوان «العمليات الانتحارية، أكبر أزمة فكرية وأخلاقية تواجه الإسلام» في تعليقه على تلك العمليات.
(ذلك خطأ كارثي، فنحن من يدفع ثمن تلك العمليات المتعارضة مع ديننا وأخلاقنا) ويضيف :«لقد حان الوقت أن نتخذ موقفاً حاسماً صريحاً ينبثق عن أعلى مؤسسات الفتوى ومجامع الفقه الإسلامي، يحرّم بصريح العبارة وبدون تبعيض أو استثناء ،العمليات الانتحارية، كافة».
ويؤكد ذلك بقوله: «يجب أن نعود إلى الموقف ـ الأصولي ـ الملتزم بنص الشريعة وروحها، غير متأثرين بالظرف السياسي والتحليل المصلحي، وهو ما فعله علماء السعودية الأوائل، كالشيخين: عبدالعزيز بن باز ومحمد بن عثيمين، عندما أفتيا بقوة وحزم.
محرّمين العمليات الانتحارية، وتبعهما في موقفهما، المفتي الحالي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ»، ويتحدث جمال عن أسباب انتشار هذه العمليات في التسعينيات (ذلك أننا اكتشفنا أخيراً سلاحاً ندمي به الاسرائيلي) فتولت تلك العمليات في طول إسرائيل وعرضها واستهدفت الجنود المدنيين.
ولم نلتفت للأطفال والشيوخ والنساء الذين يسقطون قتلى، كنّا ولا نزال غاضبين، لم ننتبه إلى الطبيعة الغادرة للهجمات ولا للمخالفات الشرعية الصريحة في شبهة قتل النفس .
ولم ننتبه إلى التوجيه النبوي الصريح أن المسلم لا يغدر ولا يقتل غير المحارب ولا النساء والأطفال، أعمانا الغضب بينما كنا ننتشي بتحليلات أن إسرائيل تواجه أقسى تحدٍ، ونقول الشعر ونمجد أولئك الشباب والشابات الذين خفضوا عنا عبء التثاقل في الأرض والانصراف إلى الدنيا.
وكان الشيخ ابن عثيمين واضحاً إذ قال لمن استفتاه في حكم هذه العمليات «رأيي في هذا أنه قاتل لنفسه وأنه سيعذب في جهنم»، وفي تصوري أن خطورة الفتاوى الدينية التي شرعت للعمليات الانتحارية ضد الاسرائيليين لم تقتصر على تردي وتدهور الوضع الفلسطيني فحسب.
بل تجاوزت ذلك إلى ما هو أخطر وأعظم لأنها فتحت الباب على مصراعيه أمام العمليات الانتحارية في العراق والبلاد العربية والدولية، لقد كانت تلك الفتاوى سبباً في فتح ثغرة خطيرة في مبدأ الجهاد الإسلامي، ففجروا الاطفال والنساء في بغداد ونسفوا ركاباً آمنين في مواصلات لندن.
لقد بلغت ضحايا العمليات الانتحارية في العراق وحدها وخلال (3) أعوام أكثر من (40) ألف مدني عراقي، 25% منهم نساء واطفال، ترى من يتحمل إثم تلك الفتاوى؟! وإلى متى تستمر الفتاوى الانتحارية التي تسفك دماء المسلمين؟!
لقد كان جديراً بهذا الحشد من العلماء مراجعة تلك الفتاوى وتقديم النصح الصادق لحماس بأن تقدم مبادرة للعالم تقول فيها انها (لن تؤيد العمليات الاستشهادية ضد المدنيين الاسرائيليين بعد الآن). إني اتصور لو فعلت حماس ذلك لشكلت تطوراً نوعياً جديداً في سياساتها وسيكون رد فعل العالم تجاهها مدهشاً ولتقدمت حماس خطوات وليست خطوة في سبيل القضية.
إني أتصور ان المجتمع الدولي في هذه الحالة ـ حالة تقديم المبادرة بوقف دعم العمليات الاستشهادية ـ سيقبل من حماس ذلك ولن يلح كثيراً في مطالبها الأخرى مثل الاعتراف بإسرائيل.
لقد كانت أمام العلماء الذين احتشدوا بالدوحة فرصة تاريخية، لإظهار موقف الإسلام المعتدل من هذه القضية الجدلية ومن ثم اخلاص النصح لحماس حتى تنجح في مواصلة حكمها في إدارة الشأن الفلسطيني إلى نهاية مدتها، ولكنها فرصة أفلتت لأننا أمة الفرص الضائعة ولأننا نغلب الايدلوجي والعاطفي والحماسي على العقلاني والمنطقي والواقعي.
