تتلبّد غيوم الإعصار بكثافة وبسرعة في السماء الفلسطينية، وما كان من المستبعد وقوعه، يبدو أنه بات قاب قوسين. كل شروطه تتشكل على الأرض وتكتمل؛ خلافاً لكل التوقعات. وطبعاً لكل التمنيات. احتمالات لجم الاندفاع تتضاءل، في ظل تزايد الاحتقان وتنامي أجواء ومعطيات المواجهة، بين «فتح» و«حماس».
بالأحرى بين رأسي السلطة. ووسط هذه المناخات المحمومة الساخنة والتي تتفجر على دفعات كأنما هي المقدمة لما هو أعظم؛ وفي ظل عملية الفرز والاستقطاب الجارية على مداها وما ترسمه من توازنات؛ بدأت تلمع في الأفق نذر شرّ كبير؛ لم تعهده الساحة الفلسطينية في تاريخها.
ويتمثل في خطر حصول انشطار هذه الساحة، ليس سياسياً فقط، بل أيضاً جغرافياً، هذه المرة؛ بكل ما ينطوي عليه ذلك من مضاعفات وتداعيات ليس أقلها التفتيت والتذرّر.
حالة الفوران والغليان التي يعيشها الوضع الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة، تفاقمت أكثر من المتصور، كان الاعتقاد ان جسامة الخطر الإسرائيلي الداهم والمصيري، في هذه المرحلة؛ لابد أن يشكل عنصر ردع وكبح لأي اندفاع من شأنه أن يهدد مناعة الصف الفلسطيني بوجه الاحتلال وشروره؛ ناهيك بالحصار المضروب عليه لخنقه وتركيعه.
المؤسف، بل المؤلم، أن عوامل التآكل الداخلي رجحت على عوامل التحصين، وما بدا انه احتكاكات جانبية أو معزولة، على الأقل حسب ما وصفتها مصادر فلسطينية من الجانبين، تبيّن أنه افتتاح لجولة تصفية حسابات وحسم مواقع.
وبدلاً من أن يسود خطاب التطويق والاستباق، تعنّفت الردود. مؤشر بارومتر التصعيد يسجّل مؤشره ارتفاعاً ليس فقط في لغة التراشق، بل أيضاً في لغة الإجراءات، قفزت بسرعة صاروخية من دائرة التحدي وعرض العضلات إلى دائرة التهديد.
آخر الفصول: «فتح» تمهل «حماس»، بشخص وزير الداخلية ورئيس الحكومة، ثلاثة أيام، تنتهي غداً، لسحب قوة «المساندة» التي أنشأتها لمساعدة قوى الأمن، من مواقعها.
«حماس» بدورها لا تشدد وتؤكد فقط على الاحتفاظ بهذه القوة، نحو ثلاثة آلاف رجل، بل تهدد، ضمناً، بزيادة عناصرها، إذا رأت أن الأمر يتطلب ذلك. لا يستدعي المشهد كبير عناء لرسم مساره. فعندما تدخل لغة التهديد إلى التداول، معزّزة بإعطاء وبتعيين مهل محددة، تكون الأمور قد وصلت إلى نقطة الإنذار.
وهذا الأخير معروف مآله. خاصة إذا كانت الحالة على صفيح ساخن، بل ملتهب، كما هي حال الساحة الفلسطينية، وما يعطي لهذا المشهد أبعاده المدمرة، أن الحديث عن هذه الحالة المتوترة، الزاخرة بعناصر التفجير، يرافقه كلام وتقديرات عن موازين القوى بين الطرفين، في ساحتي غزة والضفة، من زاوية أن «حماس» طاغية أو راجحة كفتها في غزة، بينما قوى السلطة غالبة في شارع الضفة.
في ضوء هذه المعادلة، هل يكون من باب التخوف المبالغ فيه، أن تؤدي أية منازلة بين القوتين إلى تمترس كلٍ منهما في خنادق منطقة قوته ومنعها على الآخر؟ نرجو ان لا تقع الواقعة.
لكن لايبدو أن اجتناب ذلك ممكن مالم يصح الجميع ويتفكروا في ما سيكون عليه الوضع في اليوم التالي. ففلسطين تحملت نكبة، ومن الظلم القاتل تحميلها أخرى وعلى يد أهلها، لئلا تذبح فلسطين بيد الفلسطينيين هذه المرة وسط ضحكات الصهاينة.