لم تنفع كل المناشدات والتحذيرات ودق نواقيس الخطر. التصعيد الملوّن بالأحمر القاني، بات العملة الوحيدة المتداولة بين فتح و«حماس» كل يوم خضّة جديدة بينهما. ومع كل جولة يتوسع الجرح ويزداد النزف.

واستطراداً تضمر خيوط التفاهم الباقية. وهي بكل حال أمست واهية، وهزيلة. فالخلافات تتحول شيئاً فشيئاً إلى عداوة مستحكمة. وكأن منطق الحسم على الأرض، بالسلاح والذخيرة الحية، بات المنطق الطاغي. في ما سبق كانت النزاعات والاحتكاكات، عندما تحصل تفرض حالة من الاستدراك أو المسارعة إلى تطويق الحالة الناشئة وتطويق تداعياتها.

في الآونة الأخيرة، المواجهات والردود بالمثل باتت القاعدة المعمول بها. كل فعل يكون الجواب عليه، فعل من صنفه. التدهور المتسارع والمتوسع يوحي وكأن هناك إصراراً، أو انجرافاً لا فرق، على مواصلة التأزيم. أو كأن هناك تسليماً بأن شعرة معاوية قد انقطعت وإلى الأبد بين الطرفين، وبالتالي يبدو أن أجواء إلغاء الآخر وإزاحته عن الساحة، إذا لم نقل شطبه منها نهائياً، هي السائدة والآخذة في الترسّخ.

وإلا ما معنى أن ترتفع درجة التوتر يومياً، من خلال صدامات وإجراءات، تشكل في الشكل والمضمون، وصفة لتعميق النفور وتكريس التباعد والتناقض؟ هل فلت زمام الأمور، أو هل يراد له أن يفلت، من اليد؟ ومن المستفيد، الآن وغداً؟ إن دفع الوضع الفلسطيني بهذه الصورة، نحو الهاوية، يندرج وبجدارة في خانة اللامعقول!

لقد بدأت الخلافات بين «فتح» و«حماس» بصيغة موالاة ومعارضة في أعقاب تشكيل الحكومة القائمة. وكان ذلك بمثابة التعبير عن وضع سياسي معافى، ارتضى اللعب بقواعد العملية الانتخابية.

وحتى عندما فشلت محاولات تركيب ائتلاف حكومة وحدة وطنية، كانت العملية مقبولة. مع أن تركيب مثل هذه الحكومة كان ضرورة وطنية في هذه المرحلة،. لكن سرعان ما تراجع الالتزام بهذه القاعدة وبدأ التردّي يصيب علاقات الطرفين.

كانت البداية في المعركة على الصلاحيات. ثم بدا أن هذه الأخيرة كانت عن قصد أو غير قصد، وسيلة لتسعير الخلاف. وكان من الطبيعي أن هكذا جدل، على خلفية التباينات المتناقضة ووسط غابة السلاح وفوضويته السائدة، محكوم بأن يتحول إلى لغة تخاطب مسيطرة على الساحة، ومولِّدة لدينامية تصعيدية، لا فكاك من نموّها وتفريخها لمسببات صدام واقتتال تتوسع دائرته باستمرار.

وتسارع أحداث الأيام الأخيرة يشير في هذا الاتجاه. وهي تدرجت من المطاردة إلى الخطف إلى التراشق بالصواريخ ووقوع ضحايا، لتنتهي أمس بمحاولة الاغتيال التي استهدفت رئيس جهاز المخابرات ومقتل أحد مرافقيه.

وكان قد سبقه بساعات توقيف لأحد مسؤولي «حماس» على معبر رفح ومعه كمية كبيرة من الأموال من دون التصريح عنها، حيث جرت مصادرتها وأحيل ملفها إلى التحقيق. وبذلك أخذت الأمور تبدو وكأنها قد دخلت في دوامة الصراع على طريقة السن بالسنّ والعين بالعين، أو حسب قاعدة ردّ الصاع صاعين.

سواء كانت هذه الأحداث بنت ظرفها أو كانت ترجمة لسياسات مقررة، فإن التمادي فيها والغرق في دوامتها، ليس أقل من نهش لحم الجسم بأسنان صاحبه. وهي ممارسة قاتلة، لا يرغب في استمرارها إلا العدو الإسرائيلي المحتل.